مقالات الرأي

العدوان الروسي على سورية.. عقدة الذاكرة والتاريخ3 دقيقة للقراءة

zaitun agency
كتبه zaitun agency

وكالة زيتون – مقال رأي

عبد المجيد بركات || عضو الهيئة السياسية في الائتلاف الوطني السوري

نحتاج نحن السوريين لعدد لا متناهٍ من المعجزات تفسّر وتغير لنا واقعاً ميتافيزيقياً متناهياً في التناقضات والثنائيات الغريبة غير المنطقية، التي فرضت نفسها بكل شوائبها على مدار عشر سنوات. لم نكن نعلم حينها كل هذه الأهمية الجيوسياسية لبلدٍ غير مكتمل النضوج بالمعنى السيادي والدولاتي، لبلد لم يكن يحلم أبناؤه سوى بالعيش بكرامة في دولةٍ تحترمه وتقدّره، ليصرخ بعد أن ضاقت به السبل … “حرية”.

من سخرية القدر أن تفرض إحدى الثنائيات اللامنطقية ظلالها على السوريين في هذه الأيام، لتتوافق اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة الخامسة والسبعين مع ذكرى العدوان الروسي على سورية. تلك المنظمة الدولية التي نادت بالسلام والحرية والمساواة، والتي وقفت مكتوفة الأيدي؛ صماء بكماء عمياء تجاه ما قامت به آلة الحرب الروسية ضد الشعب السوري. لتذوب كل مبادئها وشعاراتها بصرخة طفلٍ سوري قُتِلت عائلته بصاروخ روسي (ذكي).

ففي ظل نظام ديكتاتوري سلطوي أقلوي كان من المُتوقع أن ينادي كل شذاذ الآفاق الدوليين لدعمه في قتل شعبه في سبيل حفاظه على كرسيه، حتى لو بقي يحكم بلداً مُدمّراً، مرهوناً ومحتلاً من قبل داعميه.

التدخل الروسي في سورية ليس جديداً، ولكنه الأوقح والأوحش في تاريخ المنطقة. فجميعنا يعلم بأن روسيا (الاتحاد السوفيتي سابقاً) كانت الأم الحنون لنظام عائلة الأسد منذ انقلاب الأسد الأب عام 1970م، وليستمر التدخل مع توريث الأسد الابن، ليأخذ هذا الاحتلال طابع الوصاية والحماية دون التدخل المباشر؛ لتجد روسيا نفسها أمام فرصة ذهبية لتطبيق احتلالها المباشر بعد قيام الشعب السوري بثورته العظيمة.

سياسياً كانت روسيا راعية لنظام الأسد في المنظمات الدولية؛ لتُحطم الرقم القياسي باستخدام حق النقض (الفيتو) لمنع حتى إدانة النظام بجرائمه ومجازره المرتكبة ضد الشعب السوري، وليقف النظام الداخلي المهترئ لمجلس الأمن عاجزاً حتى عن الإدانة، ولترعى روسيا النظام في كل مراحل العملية السياسية، وتفتح له أبواب المسارات جميعها، ولتخلق له مساراً على مقاسه وتضرب بعرض الحائط كل الإجماعات الدولية والقرارات الأممية.

عسكرياً بدأ التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية في الثلاثين من كانون الأول سبتمبر عام 2015م، بعد أن فشلت كل الجرعات الإيرانية لحماية النظام ومنع انهياره. هذا التدخل يعتبر الأول لروسيا منذ نهاية الحرب البادرة خارج حدود الاتحاد السوفيتي السابق.

وكان بوتين قد صرّح علانية عن التدخل الذي جاء بعد فشل النظام الإيراني في إنقاذ نظام الأسد، وتعهد بأن التدخل سيكون مؤقتاً لثلاثة أو أربعة أشهر، وتحدّث عن عمليات جوية ضد التنظيمات الإرهابية.

لكن الروس لم يستهدفوا (داعش)، فقد كانت أولى الغارات الجوية على مواقع الجيش الحر والمدنيين السوريين، لتهجّر غاراتها ملايين السكان الأمنيين، وتقتل عشرات الألاف وتدمر مئات المستشفيات والمدارس ودور العبادة والأسواق الشعبية، حيث استخدمت روسيا كل ما تملكه من إمكانيات عسكرية متبعة نهج “الأرض المحروقة” لتتباهى أنها جرّبت على الشعب السوري كل أسلحتها الفتاكة، وأن قواتها أجرت تمارين حية!!

ليتبين لاحقاً أن روسيا تشارك في حرب ضد الشعب السوري، وتتحول بعد أربعة أشهر لقوة برية، وقواعد عسكرية ومؤسسات أمنية (شرطة عسكرية، فاغنر) وغيرها. وأصبحت قوة احتلال جاذبة للمرتزقة.

عندما أكملت روسيا سيطرتها على المفاصل العسكرية والأمنية والسياسية في سورية، قامت بالتحوّل لقوة راعية للنظام سياسياً، لتكون أحد رعاة مسار (أستانا) وأحد أهم الضاغطين لتشكيل اللجنة الدستورية التي خرجت بشكل لا يتماهى مع الرؤية الروسية، لتعود وتعرقل مسارها.

أي معاناة قد رسختها روسيا في الذاكرة الجمعية للسوريين، وأي سمعة قد بنتها لدى شعوب المنطقة. سيبقى العدوان الروسي محفوراً بذاكرة السوريين، وسيبقى الشعب السوري يعتبر ما تقوم به روسيا في سورية احتلالاً بمباركة ودعوة من العصابة الحاكمة، وسيأتي اليوم الذي تدفع فيه روسيا ثمن وحشيتها في سورية، وباقي شعوب المنطقة.

لطالما وقفت روسيا إلى جانب الدول الديكتاتورية والإجرامية، وقدمّت لها الدعم اللامتناهي. وعليها أن تغيير سياساتها ليس تجاه سورية فحسب، وإنما تجاه شعوب المنطقة، وعليها أن تعلم أن من يقف إلى جانب الشعوب هو الرابح الأكبر.

تمرُّ ذكرى العدوان الروسي على سورية بذاكرة يملؤها الحزن والدماء، لكنها مفعمة بالأمل والحلم والإصرار على تحقيق ما خرج به الشعب السوري. لن يزيدنا كل هذا الدمار والقتل إلا تمسّكاً بالحقوق ورغبةً في الاستمرار…

اترك تعليقاً