مقالات الرأي

دعوات محاسبة ومحاكمة حَمَلة السلاح.. هل تكون مدخلاً لتجريم الثورة؟3 دقيقة للقراءة

عساكر فصائل الثوار الفصائل العسكرية
Zaitun agency
كتبه Zaitun agency

وكالة زيتون – مقال رأي
من المغالطات التي باتت تروج بقوة مؤخراً توجيه بوصلة المحاسبة والمحاكمة نحو الثوار من حملة السلاح وتكرار ملاحقتهم قضائياً في أوروبا والدول الغربية عموماً حتى قبل إسقاط ومحاكمة نظام الأسد، وكأن هذه الثورة كانت لتستمر لعشر سنوات لولا هؤلاء الشجعان الأبطال الذين حملوا السلاح في وجه أقذر وأجرم عصابة عرفها التاريخ.

لاشك أن معظم الفصائل وقعت في أخطاء جسيمة وتجاوزات مؤسفة ومؤلمة لكنها لا ترقى ولا تقارب عشر معشار جرائم النظام، بل إن مجرد محاولات المقارنة بينهما تحت ذريعة العدالة وحقوق الإنسان هي جريمة لا تُغتفر بحد ذاتها وتنكر للثورة وتَنَكُّب عن مسارها وتنصل من حُماتها.

هذه الشهوة الجامحة والرغبة الهيستيرية وغير المفهومة اليوم لدى بعض النخب من المحسوبين على الثورة للانقضاض على بقية أشلاء أطهر وأنبل فئة في الثورة (حَمَلة السلاح) لسلخ إهابهم حتى قبل اصطياد المجرم الحقيقي الذي كان سبب كل مانعيشه من مآسي، بل ويعد السبب والمسؤول المباشر حتى عن الأخطاء والتجاوزات التي وقع فيها الثوار عقب حرب شعواء شنها على السوريين طيلة نصف قرن من الظلم والإجرام والاستبداد لقتل كل معاني الخير والفضيلة في نفوسهم وتحويلهم لقطيع أغنام تسوقه سياط الجلادين لتعتاش من لحمه ولبنه ثم تسلمه لسكين الجزار لسلخ جلده ونبش أحشائه.

معظمنا شب وترعرع في كنف البعث والأسد ورضع لبان كل ما هو ذميم في حقبته السوداء، وليس من المعقول أو المتوقع أن نتعافى سريعاً من كل هذه الترسبات والتراكمات الفكرية والنفسية والسلوكية والأخلاقية التي زُرعت فينا قسراً وجبراً طيلة كل تلك العقود الحوالك.

السوريون بطبيعتهم شعب مسالم وناضج ومتعايش وودود، تم وضعه فجأة في ظروف شديدة القسوة وآتون حرب طاحنة لا ترحم وتكالبت عليه نصف أمم وميليشيات ومرتزقة الكرة الأرضية نهباً وقتلاً وحرقاً واغتصاباً وسجناً وتعذيباً وتجويعاً وإفقاراً … والنصف الباقي وقف يتفرج عليه وهو يتم سلخه حياً.

ليس الغريب أن هذا الشعب ومنه حملة السلاح والفصائل ارتكبوا تجاوزات تستدعي المحاسبة والمساءلة، بل الأغرب كيف لم يرتكب هؤلاء سوى هذا القدر من الأخطاء والتجاوزات ولم يتحولوا لوحوش بشرية تنهش العالم كله الذي خذلهم واستثمر في آلامهم ومآسيهم ورقص على جماجمهم وأشلائهم.

هذا قطعاً لايعني عدم محاسبة المتجاوز بل يعني وضع الأمور في سياقها الصحيح، فليس من طلب العدالة فأخطأها، كمن طلب المجازر فأدركها.

وبعد ضمان محاكمات عادلة ونزيهة بشرط حضور الدليل القاطع البرهان الساطع وتوافر الشفقة واستحضار سابقة الثورة ومراعاة الظروف والملابسات والسياقات الزمانية والمكانية والنفسية التي تفوق قدرة البشر العاديين على التأقلم والاحتمال.

وأن تتم تلك المحاكمات على أرض سورية عقب تحريرها من دنس الأسد وطغمته ومن خلال قضاة سوريين ثوريين مشهود لهم بالنزاهة عاشوا طرفاً من معاناة السوريين تحت قعقعة القصف والحصار وسياط النزوح والتهجير لضمان موضوعيتهم بعيداً عن المثاليات الأفلاطونية.

فصائل الثورة وحملة السلاح لم يهبطوا من المريخ، بل هم جزء من شعب وثب عليه نظام الأسد فاستعبده وعمل طلية نصف قرن على محو وتدمير كل معالم الأخلاق والمُثل والقيم فيه ليسهل عليه حكمه.

حتى الدول التي ترفع لواء العدالة وراية الإنسانية ويعتبرها البعض قبلة القانون ومعيار الصواب تعودت منح حصانة لجيوشها ومن قاتل معها ودفاعاً عنها وأحياناً لمجرمين ثبت في حقهم بعد المحاكمات جرائم مرعبة، وكان آخرها العفو الرئاسي الذي أصدره ترامب لحماية بعض أركان إدارته والعفو عن مجرمين من بلاك ووتر سيئة الصيت بعد ثبوت قتلهم لعشرات المدنيين العراقيين، بل والعفو عن بعض أشد زعماء ميليشيا الحشد الشعبي إجراماً وسفكاً لدماء الأبرياء بالإضافة للحصانة التي يتمتع بها عناصر الجيش الأمريكي في معظم دول العالم رغم ثبوت جرائم بحق بعض أفراده.

أنا هنا لا أدعو لمنح حصانة لأحد ولا العغو عن أحد، فقط أدعو للتروي وجمع الأدلة القطعية والإثباتات والابتعاد عن الرغبوية قبل تعميم التجريم والإدانة وفتح النار وتنفيذ حكم الإعدام الأخلاقي بحق من بذل نفسه وأرخص دمه دفاعاً عني وعن ثورتي وتقدم بكل جسارة وإباء ليحمي حقي بالتظاهر السلمي والهتاف ضد الأسد وعصابته.

ختاماً: من الطبيعي أن أسعى للاعتذار عن أي سوء فهم يحتمله كلامي أو محاولة تبرير مقصدي وتنزيه سمعتي وقلمي، والحرص على عدم الانحياز في مفهوم تطبيق العدالة… لكن لا … فأنا فعلاً منحاز، وأنا أيضاً أتعمد التبرير وأجاهر به فسمعتي وقلمي إن لم يكونا في الدفاع عمن دافع عني وعن ثورتي وضحى بنفسه لأجل حريتي وكرامتي فلا خير فيهما.

تباً لسمعة تُنال بالرمادية وتُحاز بالجحود وسحقاً لقلم يخذل الحق في مواطن تكالب الذئاب وصيال الضباع واغتيال الحقيقة.

بقلم الباحث والناشط السياسي
ساجد تركماني

اترك تعليقاً