الأخبار

طلاب الجامعات المنقطعين.. قصة ضياع جيل كامل5 دقيقة للقراءة

Zaitun agency
كتبه Zaitun agency

وكالة زيتون – تقرير
لم يكن ترك الجامعات خياراً بالنسبة لآلاف الشبان السوريين عقب اندلاع الثورة في ربيع 2011، بل كان قراراً وواجباً ثورياً أملته عليهم الظروف التي كانت راهنة حينها.

ومع ازدياد سنوات الثورة وفي ظل الأوضاع المختلفة التي مرت بها المناطق الثائرة من حصار وتهجير ونزوح وتبدل أولويات الحياة، وجد الآلاف من أولئك الطلاب أن الطريق يسير بهم نحو المجهول.

فبعد أن كان يحدوهم الأمل بأن يكونوا المهندسين والمحاميين والمعلمين في مستقبل سوريا وجدوا أنفسهم أنهم باتوا عمال لدى أصحاب الأموال أو بائعين متجولين على البسطات أو على أبواب المنظمات أملاً في الحصول على فرصة عمل.

وفي ظل انتشار المحسوبيات في التوظيف وعدم قدرة معظمهم على استكمال تعليمهم بسبب تقدمهم في السن أو بسبب عدم القدرة المادية في ظل النزوح والتهجير تخسر الثورة جيلاً كاملاً كان في فترة من الفترات شعلة انطلاقتها.

بداية الحكاية
مع انطلاقة الثورة بدأ نظام الأسد بالتضييق على طلاب الجامعات والضغط عليهم على الحواجز العسكرية التي أقامها على مداخل ومخارج المدن، إضافة إلى المفارز الأمنية التي تغلغلت في الكليات والمعاهد.

وبالرغم من تلك الضغوطات وتعرض الطلاب المنحدرين من المناطق الثائرة للمضايقات شهدت عدد من الجامعات السورية مظاهرات طلابية مناهضة لنظام وتطالب بإسقاطه ومحاسبة رموزه.

ومع تقدم شهور الثورة تعرض المئات من الطلاب للاعتقال والاحتجاز القسري، كما حصل مع “أحمد حسن” وهو طالب في كلية الهندسة الميكانيكية في جامعة البعث بحمص، حيث تعرض للاعتقال من قبل حاجز للأمن العسكري على أتستراد سلمية أثناء توجهه من بلدته بريف حماة إلى جامعته.

وأوضح “حسن” في حديثه لـ”وكالة زيتون”، أن اعتقاله جاء بعد مشاركته في مظاهرة طلابية خرجت بحي القصور بحمص منتصف عام 2011، مضيفاً أن الاعتقال تم بناءً على تقرير رفعه أحد زملائه في الكلية لشعبة الأمن العسكري أكد خلاله مشاركته بالحراك الثوري.

وأضاف: “بعد تصاعد نشاط الطلاب عمد نظام الأسد إلى تجنيد مخبرين له في الجامعات من الطلاب الموالين، كونهم مطلعين على على أدق التفاصيل في الكليات”، مشيراً إلى أن هؤلاء المخبرين كانوا نواة ميليشيا البعث التي تم تشكيلها لاحقاً.

وأشار “حسن” إلى أنه مع كثرة المضايقات وتحول أولئك المخبرين إلى شبيحة على هيئة طلاب وتعميم اسمه على الحواجز اضطر لترك دراسته ومتابعة نشاطه الثوري داخل بلدته.

من جانبه، قرر “بلال العلي” ترك مقاعد الدراسة والالتحاق بركب الثورة ضد نظام الأسد خشية تعرضه للاعتقال على الحواجز المنتشرة بين محافظة حمص مسقط رأسه ودير الزور مكان دراسته أو سوقه للخدمة العسكرية للمشاركة في قمع المتظاهرين.

وقال “العلي” في حديث لـ”وكالة زيتون” أنه كان طالباً في السنة الثالثة بكلية الحقوق في جامعة الفرات بدير الزور، عندما قرر ترك دراسته والتفرغ للثورة وتنظيم المظاهرات السلمية وتجهيز اللافتات والشعارات.

وأكد أن هذا القرار كان لسببين أولهما الرغبة في أن يكون جزءاً من الثورة وأحد عناصرها الفاعلين، وثانيهما هو الخوف من الأفرع الأمنية والسوق إلى الخدمة الإلزامية كما حصل مع عدد من زملائه في الكلية، حيث قضى أحدهم تحت للتغذيب وآخر ما زال مصيره مجهولاً حتى الآن.

بين الحصار وتبدل ظروف الثورة قصة أخرى

أوضح “العلي” أنه بعد عامين من الثورة فرض نظام الأسد حصاراً على ريف حمص الشمالي ولم يعد بالإمكان التحرك أو الانتقال إلى مركز المدينة دون المرور على عشرات الحواجز ونقاط التفتيش، وبات ذلك محصوراً بالأشخاص الذين لم ينخرطوا بالثورة ولم يعلنوا تأييدهم لها.

وأضاف أنه مع هذا الحال الذي آلت إليه ظروف الثورة وتعرض مدينته للحصار، تحولت أولوياته من تحقيق حلمه في التخرج ومزاولة مهنة المحاماة، إلى تأمين احتياجات أسرته الأساسية.

وأشار إلى أن هذا الوضع استمر به إلى أن خرج بحملات التهجير نحو محافظة إدلب في أيار/ مايو من عام 2018 حيث وجد نفسه في منطقة مختلفة عما كان عليه ريف حمص الشمالي، وأوضاع معيشية مغايرة لتلك التي قضاها في الحصار.

ولفت إلى أن الهمَّ في الشمال السوري بات محاولة تأمين الإيجارات المرتفعة وحوائج طفليه اللذين ولدا في الحصار، إضافة إلى مساعي الحفاظ على حياته وحياة أسرته من خلال البحث عن أماكن أكثر أماناً من القصف والغارات.

محسوبيات وفساد في التوظيف

أكد “العلي” أنه تقدم عقب خروجه إلى إدلب إلى العديد من الوظائف التي أعلنت عنها المؤسسات والمنظمات العاملة في المنطقة بغض النظر عن المنصب الوظيفي المطلوب وتناسبه مع طالب في السنة الثالثة بدراسات القانون.

وأضاف أن أي من المنظمات قبلت توظيفه بحجة أنه لا يحمل شهادة جامعية تؤهله لشغل المنصب المطلوب، مؤكداً أنه وصل به الحال إلى تقديم طلب توظيف كحارس أو عامل توزيع وغيرها من الوظائف، معتبراً أن جميعها ليست بحاجة إلى مؤهل جامعي.

وحين سؤاله عن الأسباب التي تحول دون استكمال تحصيله العلمي في جامعات المحرر، أجاب “العلي” أن ظروفه تبدلت، فهو بات أب لطفلين ومهجر من موطنه الأصلي إلى مكان يقيم به مقابل مبلغ مالي شهري، موضحاً أن هذه التحولات تملي عليه أموراً كثيرة لم تكن بحسبانه وتحول دون المضي قدماً في تحقيق حلمه بالعمل كمحامي.

حكومة “الإنقاذ” تكافئ الطلاب المنقطعين على طريقتها

ذكر “العلي” أنه بدأ في نهاية العام الدراسي الماضي بالعمل كمعلم في أحد مخيمات محافظة إدلب بعد العديد من المحاولات التي بذلها، مستفيداً من ظروف النزوح التي حدثت حينها وانقطاع عدد من المعلمين بسبب الأوضاع الأمنية أو تغيير مكان سكنهم.

وأشار إلى أنه بالرغم من أن الراتب الشهري لم يكن كبيراً إلا أنه كان مصدر فخر له كون جاء نتيجة دراسته وتعويضاً عن السنوات التي قضاها في السعي وراء العلم.

وأضاف: إلا أن حكومة الإنقاذ التابعة لـ”هيئة تحرير الشام” كان لها رأي آخر، حيث أصدرت مطلع العام الدراسي الحالي قراراً بإنهاء عقود جميع المعلمين والمعلمات غير المتخرجين من الجامعات واستبدالهم بطلاب معهد اعداد المدرسين التابع لها”.

للمؤسسات رأي آخر

حاولت وكالة زيتون التواصل مع عدد من المسؤولين في الجهات الحكومية والرسمية لطرح المشكلة عليهم إلا أنها لم تتلق أي ردٍ منهم، وتمكنت من الحصول على تصريح من مصدر عامل في إحدى المنظمات الإنسانية في الشمال السوري والذي تحدث شريطة عدم ذكر اسمه كونه غير مخول للتصريح.

وأكد المصدر أن المشكلة التي يتناولها التقرير موجودة وأن ذلك أمر مأسوف عليه كون الثورة قد خسرت جيلاً كاملاً من المعلمين والمهندسين والحقوقين وغيرها من الاختصاصات، مشيراً إلى أن موجات النزوح والتهجير فاقمت هذه الأزمة.

وأضاف، أن الشمال السوري بات يضم نسبة كبيرة جداً من الكوادر والجامعيين المهجرين من مختلف المحافظات السورية، موزعين على بقعة جغرافية صغيرة ومن شبه المستحيل حصول الجميع على وظائف أو فرص عمل تليق بدراستهم بها.

وأردف أن الشروط التي تحددها المؤسسات حين الإعلان عن أي شاغر وظيفي تكون وفقاً للمعايير الدولية المعتمدة وبشكل يتناسب مع مقاييس الجهة المانحة المعلنة عن الشاغر، مؤكداً أن معظم الإعلانات يتم نشرها من قبل مكاتب الموارد البشرية خارج سوريا وليس من المكاتب التنفيذية في الداخل.

وأشار إلى أن هذه المنظمات والتي يتبع معظمها لجهات أوروبية تعتمد مبدأ المساواة بين الذكور والإناث وتعطي في بعض الأحيان الأفضلية للإناث، الأمر الذي يشكل عائقاً إضافياً أمام الشباب الطامحين في الحصول على فرصة عمل.

وختم المصدر حديثه بحث الطلاب المنقطعين على متابعة تحصيلهم العلمي في جامعات المحرر، مشيراً إلى أن هذه الجامعات وبشكل خاص جامعة حلب الحرة تمضي قدماً في طريق الحصول على الاعتراف المعتمد بشهاداتها.

اترك تعليقاً