الأخبار

في الذكرى الخامسة على انتهاء عملية “درع الفرات”.. ما الفروقات التي تم إحداثها؟6 دقيقة للقراءة

Zaitun agency
كتبه Zaitun agency

وكالة زيتون – تقرير
أربع سنوات مضت على انتهاء عملية “درع الفرات”، التي أطلقها الجيش التركي والجيش الوطني السوري لطرد تنظيم “داعش” من ريف حلب الشمالي والشرقي، وذلك في أول تدخل عسكري لتركيا في سوريا.

وفي فجر الرابع والعشرين من آب 2016 انطلقت العملية، والتي كانت مدينة “جرابلس” بريف حلب الشرقي أول أهدافها، كونها المدينة الحدودية الأخيرة الواقعة تحت سيطرة التنظيم، فضلاً عن أهميتها في منع ميليشيا “قسد” من التمدد غرب الفرات وتوسيع مناطق سيطرتها انطلاقاً من “منبج”.

مجريات العملية

بعد 24 ساعة فقط من انطلاق العملية تمكن الجيشان الوطني السوري والتركي من فرض السيطرة على مدينة “حرابلس”، وإجبار عناصر “داعش” على الانسحاب نحو ريف مدينة “الباب”، تحت قصف مدفعي وصاروخي مكثف، تزامناً مع دفع تركيا بمزيد من التعزيزات العسكرية.

وعقب 3 أسابيع على العملية، تمكنت قوات عملية “درع الفرات” من السيطرة على أكثر من 30 بلدة وقرية في ريفي “جرابلس” و”أعزاز” بعد اشتباكات مع ميليشيا “قسد” و”داعش”، وواصلت بعد ذلك تقدمها غرباً نحو مدينتي “الراعي” و”الباب” معقل التنظيم في المنطقة.

وتلا تحرير تلك المناطق البالغة مساحتها الإجمالية حوالي 700 كيلو متر مربع، التوجه جنوباً نحو مدينة “الباب” وريفها، والتي كانت أصعب مراحل العملية، حيث انطلقت من محورين، الأول بدأ من “جرابلس” غرباً باتجاه قرى ريف “منبج” الشمالي، وريف “الراعي” الشرقي”، وتمكن المشاركون به من تحرير قرى عدة أبرزها “طويجان” و”الحميرات” قرب “الغندورة”، و”الأيوبية” و”أم الهوى” شرق “الراعي”.

وأما المحور الثاني، فقد انطلق من مدينة “الراعي” نحو مدينة “الباب” جنوباً، حيث تمكن الجيش الوطني من التوغل في ريف المدينة الشمالي، والسيطرة على قرى “تركمان بارح” و”أخترين”، و”دابق” التي كانت معقلاً للتنظيم ورمزاً أيديولوجياً له، حيث انسحب مقاتلوا “داعش” منها وتحصنوا في “الباب” المدينة الاستراتيجية التي تربط التنظيم بمناطق سيطرته في منطقة “الطبقة” بمحافظة الرقة.

وبالتوازي مع هذين الهجومين، شن ثوار بلدة “مارع” هجوماً نحو ريف “الباب” الغربي، بهدف تشتيت التنظيم وتوسيع رقعة الاشتباكات، وتمكنوا من خلال تلك المواجهات من فرض السيطرة على العديد من القرى والبلدات والاقتراب من مواقع “داعش” لمسافة تقل عن 10 كيلو مترات.

ومع اشتداد المعارك تمكن مقاتلوا الجيش الوطني من إحراز خرق من الجهة الغربية من مدينة “الباب” وكسر الخط الدفاعي الأول بعد السيطرة على المشفى الوطني وجبل “الشيخ عقيل” والتقدم نحو أحياء المدينة، لتبدأ بذلك حرب شوارع، انتهت بتحرير المدينة بشكل كامل بعد 5 أشهر من بدء الهجوم ضدها.

نهاية “درع الفرات”

استمرت العملية لمدة 7 أشهر متواصلة، تم خلالها تأمين قرابة ألفي كيلو متر مربع، ابتداءً من مدينة “جرابلس” شرقاً، وحتى “أعزاز” غرباً، ومن “الباب” جنوباً، وحتى الراعي “شمالاً”، لتكون منطقة العملية هذه أول منطقة “آمنة” خالية من قصف نظام الأسد وطيرانه، ولتشكل نواة “المنطقة الآمنة” في سوريا.

وفي مساء التاسع والعشرين من آذار عام 2017 أعلن رئيس الوزراء التركي السابق “بن علي يلدرم” انتهاء عملية “درع الفرات”، بعد نجاحها في تحقيق أهدافها، كما أنه لم يستبعد أن تشن بلاده عمليات جديدة داخل الأراضي السورية.

وقال مجلس الأمن القومي التركي في بيان: “إن عملية “درع الفرات” التي أطلقت لضمان أمن حدودنا، ومنع تهديد واعتداءات تنظيم “داعش” على بلدنا، وإتاحة الفرصة لأشقائنا السوريين الذين هجروا من أماكنهم للعودة إلى بلدهم والعيش في منطقة “درع الفرات” بأمن وطمأنينة، قد تكللت بالنجاح”.

تغييرات جذرية

حققت عملية “درع الفرات” أهدافها في جعل المناطق التي تحررت في إطارها آمنة إلى حد ما، وتتمتع بنوع من الاستقرار، خاصة بعد المشاريع الاستثمارية والخدمية وقيام الحكومة والمنظمات التركية بدعم إعادة تأهيل البنى التحتية من مشافي ومراكز تعليمية ودور عبادة ومرافق عامة.

ويعد القطاع الطبي من أكثر المجالات التي ازدهرت في المنطقة بعد العملية، حيث تم إقامة 5 مستشفيات رئيسية في كل “جرابلس” و”الباب” و”الراعي” و”مارع” و”أعزاز” مجهزة بما يقارب الـ850 سريراً، ومزودة بأحدث المعدات الطبية، بما في ذلك مختبرات الكشف عن فيروس “كورونا”، وغرف عمليات وأخرى للعناية المركزة.

وبالإضافة إلى ذلك، تم تجهيز العديد من العيادات المتنقلة في المنطقة، وفرق إسعاف وإنقاذ، ونقاط طبية في القرى والبلدات، إضافة إلى مراكز متخصصة في التعامل مع المصابين بفيروس “كورونا”، فضلاً عن إقامة منظمة الدفاع المدني السوري عدد من المراكز التابعة لها على امتداد المنطقة.

ومن جانب آخر، نال الجانب التعليمي اهتماماً خاصاً من قبل الحكومتين السورية المؤقتة والتركية، حيث تم ترميم جميع مدارس المنطقة، وبناء أخرى، حتى قارب عددها الـ700 مدرسة، يرتادها قرابة الـ200 ألف طالب من مختلف المراحل التعليمية الابتدائية والإعدادية والثانوية.

وشهدت المنطقة أيضاً، افتتاح عدد من معاهد تحفيظ القرآن الكريم، ورياض الأطفال، ودور لرعاية الأيتام، إضافة إلى مراكز الدعم النفسي، التي تعمل على تعليم الأطفال وترفيههم وإخراجهم من ظروف الحرب التي عايشوها قبل تحرير المنطقة، فضلاً عن الفعاليات التي يتم تنظيمها بين الحين والآخر في هذا المجال.

وللتعليم الجامعي حكاية أخرى، حيث اتخذت جامعة حلب في المناطق المحررة من مدينة “أعزاز”، إلى جانب جامعة “الشام” الدولية، مقر رئيسي لها، وتم افتتاح العديد من الكليات والمعاهد وبمختلف المجالات، الأمر الذي أتاح لمئات الطلاب باستكمال تحصيلهم العلمي وفق معايير عالية.

كما أصدر الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” مراسيم رئاسية تقضي بافتتاح العديد من أفرع الكليات والمعاهد التابعة للجامعات التركية في منطقة “درع الفرات” بما في ذلك كلية للطب والعلوم الصحية، فيما وقعت جامعة حلب الحرة اتفاقيات تعاون مع جامعات تركية عدة بهدف الاعتراف بالشهادات الصادرة عنها.

وفي المجال الخدمي، شهدت المنطقة نهضة كبيرة بعد تشكيل مجالس محلية فيها، تولت مسؤولية تأمين الخدمات اللازمة للأهالي، ولإعادة الحياة إلى طبيعتها، حيث قامت بإصدار بطاقات شخصية للسكان ورخص لقيادة المركبات وتسجيلها، إضافة إلى توفير الدعم لقطاعات الزراعة والصناعة والتجارة.

وعملت هذه المجالس بالتعاون مع الشركات والمنظمات التركية على تزويد المنطقة بالتيار الكهربائي، وتأهيل شبكات المياه والصرف الصحي، إضافة إلى تعبيد الطرقات، وإزالة آثار الدمار الذي خلفته المعارك، وترميم الأسواق والأماكن العامة، وافتتاح الحدائق والمراكز الترفيهية.

وفي السياق ذاته، قامت المجالس المحلية بتأهيل الأفران وإعادة تشغيلها لتأمين احتياجات سكان المنطقة من الخبز، كما عملت بالتنسيق مع المنظمات الإغاثية التركية والدولية على تأمين المساعدات الإنسانية للأهالي وللنازحين الذي قصدوا المنطقة بعد تحريرها.

وبهدف تعزيز اقتصاد المنطقة والتشجيع على الاستثمار، أقامت الحكومة السورية المؤقتة عدد من المناطق الصناعية، التي ساهمت في توفير فرص عمل لمئات الشباب، إضافة إلى سد حاجة السوق من العديد من المنتجات والبدء بالتصدير إلى الخارج.

وعلى صعيد آخر، قامت الحكومة المؤقتة بإنشاء جهاز للشرطة في المنطقة، بهدف ضبط الأمن ومتابعة الجنايات ومكافحة الإرهاب، حيث فتحت في بادئ الأمر باب الانتساب للجهاز في المخيمات الحدودية وقدمت التدريبات للمتطوعين، كما قامت تركيا بتزويدهم بالمعدات اللازمة للعمل بما في ذلك السيارات والأسلحة.

تحديات تواجه المنطقة

تواجه المنطقة العديد من التحديات، جلها يتعلق في الجانب الأمني، حيث تصب ميليشيات “قسد” ونظام الأسد اهتمامهم في زعزعة استقرارها وضرب أمنها، من خلال تفجير السيارات المفخخة والعبوات الناسفة بشكل دوري، والتي تطال الأسواق والأماكن العامة بالدرجة الأولى، ما أدى إلى وقوع العديد من المجازر.

وتمكن الجيش الوطني السوري والاستخبارات التركية من ضبط العديد من الخلايا التابعة لـ”قسد”، والتي اعترفت بمسؤوليتها عن العديد من تلك الهجمات، وبالرغم من ذلك إلا أن المنطقة ما زالت تتعرض لهذه الحوادث.

يضاف إلى ذلك، انتشار المقار العسكرية والسلاح في المناطق المدنية، الأمر الذي يجعل المدنيين عرضة دائمة للخطر، خاصة حين اندلاع اشتباكات بين الفصائل بين الأحياء السكنية والمراكز العامة، وقد تم تسجيل عدة حالات لسقوط ضحايا مدنيين جراء تلك الحوادث.

ولعل التحدي الأكبر والمسبب الأول للحوادث المذكورة آنفاً، هو استمرار الحالة الفصائلية داخل الجيش الوطني السوري، وعدم دمج مكوناته بشكل حقيقي تذوب فيه المسميات، تكون قيادته المركزية صاحبة الكلمة العليا في جميع الملفات والقضايا.

خلاصة

شكلت عملية “درع الفرات” أول منطقة آمنة في الشمال السوري، وباتت بعد تحريرها المقصد الأول للمهجرين والنازحين من مختلف المحافظات السورية، نظراً للخدمات التي تتوفر بها، وبعدها عن العمليات العسكرية والقتالية، كما مكنت هذه العملية آلاف اللاجئين السوريين من مغادرة دول اللجوء والعودة إلى ديارهم.

وتفوقت الخدمات التي يتم تقديمها في المنطقة من كهرباء ومياه وبنى تحتية مؤهلة، رغم ضعف الإمكانيات، والحرب التي شهدها المدن والبلدات، على تلك المقدمة في مناطق سيطرة نظام الأسد، الأمر الذي أثبت للعالم قدرة السوريين على إدارة بلادهم والنهوض بها.

اترك تعليقاً