الأخبار

صديق مقرب من الراحل “ميشيل كيلو” يكشف لـ”زيتون” سر محبة السوريين له4 دقيقة للقراءة

Zaitun agency
كتبه Zaitun agency

وكالة زيتون – تقرير
في ظهيرة التاسع عشر من شهر نيسان/ أبريل الحالي، فجع السوريين بنبأ رحيل المناضل والسياسي البارز “ميشيل كيلو”، بعد معاناة مع فيروس “كورونا”، وأيام وليالي قضاها في إحدى مشافي العاصمة الفرنسية باريس، إثر تدهور وضعه الصحي.

رحيل “كيلو” ترك أثراً كبيراً في نفوس السوريين بمختلف تياراتهم وتوجهاتهم، فهو المعارض الذي كرس حياته لمناهضة نظام الأسد الابن ومن قبله الأب، وهو السياسي الذي تصدر المشهد منذ اندلاع الثورة السورية في آذار/ مارس 2011، كما أنه المناضل القريب من عامة الشعب، والذي ما زالت صوتياته ورسائله تتداول على محادثات “الوتساب” حتى يومنا هذا.

اعتاد “كيلو” على أن يطلع السوريين على كواليس كل اجتماع أو مؤتمر أو تحرك يخص قضيتهم، سواء كان الحدث سياسي أو حتى عسكري، ولم يستكبر يوماً أن يسمع هموم المقيمين في الداخل، ويشاركهم مأساتهم، من خلال غرف التواصل التي اتخذها منبراً للحديث معهم الإجابة على استفساراتهم وتساؤلاتهم.

وعلى الرغم من أنه لم يكن عضواً في أي من مؤسسات المعارضة الرسمية، إلا أنه لم يأل جهداً في الحديث مع الشعب السوري بكافة مكوناته، أو الخروج عبر المنصات ووسائل الإعلام للحديث عن الملف السوري ومستجداته، وذلك بشكل معاكس لتصرفات بعض من تصدر المشهد وتقلد مناصب الثورة.

ومها كان المصاب عظيماً، إلا أن السوريين اعتادوا على “كيلو” المتفائل المتأمل بإسقاط نظام الأسد، والحالم بتحقيق دولة الحرية والكرامة، فهو الذي اشتهر برسائله الموجهة إلى أهالي محافظة إدلب شمال غربي سوريا إبان الحملة العسكرية الأخيرة عليها، والتي دعاهم فيها إلى الصمود وأكد خلالها أن نظام الاستبداد زائل ولو طال الزمن.

ولد “ميشيل كيلو” في مدينة اللاذقية غربي سوريا عام 1940، لأسرة مسيحية، وتعرض في سبعينيات القرن الماضي للاعتقال عدة مرات، بسبب نشاطه السياسي المناهض لرأس النظام السابق حافظ الأسد، ومن ثم سافر إلى فرنسا، وعاد إلى دمشق عام 2006 ليتعرض للاعتقال ثانية، ليقبع في زنزانته مدة 3 سنوات، بتهمة إضعاف الشعور القومي.

وعقب اندلاع الثورة السورية في آذار/ مارس 2011، لم يتردد “كيلو” في إعلان موقفه المؤيد لها، وأخذ على عاتقه مسؤولية جمع المعارضة وتوحيدها إلى جانب عدد من المعارضين السابقين، وكان له دور بارز في تأسيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، قبل أن ينسحب منه في عام 2016.

ورغم انسحابه من الائتلاف، إلا أنه ظل حاملاً للقضية السورية، حيث تفرغ للكتابة في العديد من الصحف العربية، إضافة إلى المشاركة في القنوات الفضائية، وتقديم التحليلات حول الثورة السورية، واستشراف المستقبل.

وقبل رحيله بأسبوع، كتب “كيلو” وصيته إلى الشعب السوري، تحت عنوان “كي لا تبقوا ضائعين في بحر الظلمات”، وكأنه استشعر أن أيامه في هذه الدنيا اقتربت، وبالرغم من وضعه الصحي الحرج حينها، إلا أنه لم ينس ملايين السوريين في الداخل، ولم يتخلَّ عن رسالته التي حملها ونافح عنها طيلة السنوات الماضية.

وجاء في الرسالة: “لا تنظروا إلى مصالحكم الخاصة كمتعارضة مع المصلحة العامة، فهي جزء أو يجب أن تكون جزءاً منها، ولا تنظروا إلى وطنكم من خلال أهدافكم وإيديولوجياتكم، بل انظروا إليهما من خلال وطنكم، والتقوا بمن هو مختلف معكم بعد أن كانت إنحيازاتكم تجعل منه عدواً لكم”.

وأضاف: “في وحدتكم خلاصكم، فتدبروا أمرها بأي ثمن وأية تضحيات، لن تصبحوا شعباً واحداً ما دمتم تعتمدون معايير غير وطنية وثأرية في النظر إلى بعضكم وأنفسكم، وهذا يعني أنكم ستبقون ألعوبة بيد الأسد، الذي يغذي هذه المعايير وعلاقاتهم، وأنتم تعتقدون بأنكم تقاومونه”.

وتابع: “ستدفعون ثمناً إقليمياً ودولياً كبيراً لحريتكم، فلا تترددوا في إقامة بيئة داخلية تحد من سلبياته أو تعزلها تماماً، ولا تتخلوا عن أهل المعرفة والفكر والموقف، ولديكم منهم كنز.. استمعوا إليهم، وخذوا بما يقترحونه، ولا تستخفوا بفكر مجرب، هم أهل الحل والعقد بينكم، فأطيعوهم واحترموا مقامهم الرفيع”.

وفي وصف الراحل، قال الدكتور “محمود حمزة” أحد الأصدقاء المقربين من “كيلو” إن الأخير كان مفكراً وسياسياً من الطراز الرفيع، وشكلت تجربته الغنية في الحياة السياسية في سوريا مكتبة كبيرة من خلال الترجمات التي قدمها والمقالات التي كتبها والقصص الأدبية والكتب التي تركها قبل رحيله.

ويعرف عن “كيلو” بأنه ليس فقط سياسياً ومفكراً، بل هو”مثقفاً عضوياً” لأنه ربط النشاط الفكري والسياسي بالممارسة العملية فقد كان في قلب الأحداث الكبرى في سوريا، كتأسيس لجان إحياء المجتمع المدني عام 2001، وكذلك كان مبادراً في تأسيس “إعلان دمشق” عام 2005، وتعرض للسجن عدة مرات بسبب ذلك، كما أنه كان جريئاً وشجاعاً ومتحدثاً أمام كبار المسؤولين والضباط في نظام الأسد، وفقاً لـ”حمزة”.

وأشار “حمزة” في حديث لـ”وكالة زيتون”، إلى أن “كيلو” كان وطنياً بامتياز ويؤمن بالسوريين ومستقبل سوريا موحدة ودولة مواطنة، لا يوجد تمييز على أساس الدين والقومية والمعتقد، كما أنه كان يكره الطائفية، ويؤكد أن النظام هو من زرع هذه النعرة ليستخدم مكونات المجتمع على مبدأ فرق تسد.

وتابع أن “كيلو” كرس عقله وقلمه وقلبه وكل نشاطاته من أجل خدمة الثورة السورية، وكانت له صلاة واسعة جداً مع الناشطين والثوار والمثقفين والنخب السورية، وكان يلتقي بشكل يومي عبر وسائل التواصل الاجتماعي معهم.

وكان “كيلو” – بحسب “حمزة”- عميق النظرة، يرى ما في أعماقهم وطريقة تفكيرهم، يفهم الأحداث ويربطها، وصاحب مبادرة وفكر، ومثقف كبير، ومطلع على تاريخ سوريا والعالم، وتحدث عن حكم “الأسد” وكيف أنه دمر سوريا مجتمعياً ومادياً وسياسياً وفكرياً، كما أنه كان يحب أصدقائه ويثق بهم، ويسأل عنهم باستمرار حتى أثناء تواجده الأخير في المشفى.

وختم “حمزة” حديثه بالإشارة إلى أن “كيلو” كان عاشقاً لسوريا، ولمدينته اللاذقية، وللعاصمة دمشق، وكان يحلم في أن يعود ليراها بعد زوال النظام، مضيفاً: برحيلك يا أبو أيهم فقدنا قامة وطنية ومرجعية سياسية كنا نعود إليها في الحالات الصعبة والمعقدة، رحلت عنا إلا أن أثرك الثقافي والسياسي وتجربتك الغنية في الحياة ما زالت بيننا وأتمنى أن يعود إليها الشباب للاستفادة منها، وأن تقوم المراكز والجامعات بجمعها ونشرها، لأنه رمز من رموز الوطنية السورية”.

اترك تعليقاً