مقالات الرأي

وداعاً المعلّم المبجل6 دقيقة للقراءة

كتبه Zaitun agency

بقلم: د. أحمد طعمة || مركز حرمون للدراسات

إن العين لتدمع، وإن القلب ليخشع، وإنا على فراقك يا أبا أيهم لمحزونون.
ما أصعب أن يفقد المرء صديقَه في لحظة تاريخية حرجة، فما با لكم عندما يفقد أستاذه وشيخه؟! نعم، كان أبو أيهم أستاذنا وشيخنا في السياسة، وكنّا مريدين عنده، نغرف من علمه وتجربته، فيا لحجم خسارتنا!
عرفت المرحوم الأستاذ ميشيل، بعد فترة وجيزة من صدور بيان الـ ٩٩ في أيلول عام ٢٠٠٠، الذي لم يكن لنا شرف التوقيع عليه، بل سبقنا إليه إخوة آخرون في الكفاح. عرفته مع مجموعة من الشباب الإسلامي المتنور الذي بدأ يتلمس طريق العودة للعمل السياسي، من بعد أن أُقصوا عنه طويلًا، متأثرين بالتجربة الناجحة للحكومة الائتلافية في تركيا عام ١٩٩٦، بين الزعيم الإسلامي نجم الدين أربكان وبين رئيسة الوزراء السابقة تانسو تشيلر، في حكومة أثبتت إمكانية التعايش بين الإسلام والعلمانية، على الرغم من قضاء العسكر عليها بعد عام، ما أكد أن مصابنا واحد، ومتأثرين أيضًا بكتابات إسلامية معاصرة، عبّدت الطريق لنا لقبول فكرة الديمقراطية، ومن أهمّها كتاب الشيخ راشد الغنوشي (الحريات العامة في الدولة الإسلامية)، فكان تعرّفنا إلى الأستاذ ميشيل تكريسًا لكل ما سبق، وكم أفادنا من فكرته الجوهرية التي قضى عمره منافحًا عنها، ألا وهي فكرة الحرية، إذ أضاءها لنا أحسن إضاءة، وبيّن لنا أن مشكلتنا الأساسية في بلادنا ليست الاختلافات الأيديولوجية، بل حكم العسكر واستبدادهم، وحرماننا جميعًا من الحرية.
كان أول من روّج في سورية -بحسب ما أعلم- لفكرة الدولة المدنيّة، فكانت لنا مخرجًا نحن معاشر الإسلاميين من حساسيتنا وقتها وحرجنا من فكرة العلمانية. كانت فكرة الدولة المدنية هي الحل الوسط بين مفهوم الدولة الدينية الثيوقراطية وبين مفهوم الدولة العلمانية؛ فأقبلنا على تبنّي هذا المصطلح، وكان قاسمًا مشتركًا نشترك فيه مع إخوتنا في طريق الكفاح ضد الاستبداد.
وقّعنا بعدها على بيان الألف، كفاتحة خير لعمل مشترك يشمل جميع مكونات الشعب السوري، في توقه لنيل الحرية التي فقدناها طويلًا. ثم أصبحنا بعدها جزءًا من مشروع الأستاذ ميشيل، لجان إحياء المجتمع المدني، والذي قاده معه أساتذة كبار أمثال الأستاذ علي العبد الله والأستاذ فايز سارة والدكتور أكرم البني وآخرون، فكان خطوة إضافية قام بها الشباب الإسلامي المتنور متتلمذين على يد شيخنا بأن الديمقراطية تستحق التضحية من أجلها، مهما كان الثمن، حتى وصلنا إلى قناعة مفادها أن الديمقراطية قد تكون بالنسبة إلينا أقصر طريق يوصلنا إلى الجنة.
زارنا بعدها الأستاذ ميشيل في دير الزور، عام 2001 وما بعدها، واطّلع على تجربتنا الإسلامية المرتكزة على مجموعة أسس: لا إكراه في الدين (وهذا مرتكز الديمقراطية)، ولا للعنف ولا للتنظيمات السرية، وإن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (أي حتى يغيروا ما بعقولهم). فكان أن شجعنا ونصحنا بنصائح مهمة، بقيت عندنا نبراسًا لزمن طويل.
لستُ أنسى النسخة الأصلية من إعلان دمشق، وكانت من سبعة عشر سطرًا كُتبت في المغرب، وكتبها كل من المرحوم الأستاذ ميشيل كيلو والمرحوم الأستاذ حسين العودات والأستاذ علي صدر الدين البيانوني والأستاذ زهير سالم، في الأشهر الأولى من عام 2005، وأسست لإعلان دمشق، كجسم سياسي معارض، بموقف حاسم في مواجهة نظام الإجرام، ومطالب بحق الشعب السوري في نيل حريته وكرامته في ظل دولة مدنية ديمقراطية لجميع أبنائها. ويومها كان الإسلاميون في داخل سورية مترددين في الانخراط في إعلان دمشق، لأسباب عدة منها استمرار تأثير الضربة التي تعرض لها التيار الإسلامي في الثمانينيات، واعتقادهم أن مكونات الإعلان تشمل من ليس يتفق معهم في توجهاتهم، فضلًا عن قناعة التيار وقتها بأنهم القوة الضاربة في المجتمع، وليسوا بحاجة إلى الانخراط في كيانات مع غيرهم، فكان للأستاذ أبو أيهم ورياض الترك، وكبار الشخصيات السياسية المعارضة الأخرى داخل سورية، فضلٌ في إقناع كثير من الإسلاميين بالانخراط في الإعلان والعمل ضمن صفوفه، وأثار ذلك رعب النظام من هذه التوافقات، وأسرّها في نفسه حتى قام بضرب الجهاز العصبي لإعلان دمشق، على حد تعبير الأستاذ ميشيل.
لولا موقف المعلّم المبجل الصلب في مواجهة النظام، ولولا مقالته الشهيرة الجريئة بعنوان (نعوات وطنية) لما زجّه النظام السوري ثلاث سنوات في المعتقل، في قضية إعلان بيروت دمشق، دمشق بيروت في أيار/ مايو عام 2006، قضاها صابرًا محتسبًا ينوب عن الشعب السوري في الدفاع عن حريته. بعدها بعام ونصف، التحقنا بالأستاذ ميشيل في سجنه، في قضية قادة إعلان دمشق، فكان لنا خير رفيق درب وخير معين طوال فترة السجن، وكانت فيها الروح المعنوية في أوجها، وكم كان يغتاظ النظام من هذا!

وما زلت أذكر اللحظات الأولى لاستقباله الطيّب لي، في الجناح العاشر، بعد أن تم نقلي إليه، ولا تتخيلوا مقدار سعادتي في أن أكون رفيقه في جناح واحد، فكان لقاؤنا اليومي فترات طويلة نبدؤها بالتمارين السويدية التي كان يجبرنا عليها، ثم المشي لساعة نتحدث فيها في كل مواضيع الساعة، وكم استفدت من تجربته وغزارة علمه. ثم زادت البركة بركة، بانضمام الأستاذ علي العبد الله إلينا، فكنا ثالوثًا يغبطنا عليه زملاؤنا. وكان الأستاذ ميشيل أهمّ مصدر للكتب بالنسبة إلينا، في تلك الفترة، وما أروع ما كنا نناقشه في محتوياتها!
ما أصلب موقفه بالانحياز التام إلى ثورة الشعب السوري عام 2011، وإصراره على زوال نظام الاستبداد، فكان من أهم قادة السياسة والرأي فيها وكلمته مسموعة، ولم يألُ جهدًا لنصرة مطالب الشعب في نيل الحرية، وكم بذل جهدًا طوال السنوات العشر من عمر الثورة، في كل المحافل المحلية والدولية، معلمًا الناس المفاهيم السياسية الدقيقة وضاغطًا على المجتمع الدولي لنيل حقوق الشعب، في كل جولات التفاوض التي شارك فيها، ولم تفتر همته يومًا، فقد كان على قناعة تامة بأن ساعة الخلاص قد أزفت، وأنّ الأوان قد حان لكي نشم رائحة الحرية ونستظل بظلالها الوارفة.
كان أول من اكتشف عيوب قرار مجلس الأمن 2254، بمقالاته الثلاث في العربي الجديد تحت عنوان (تراجع في القرار الدولي)، وحددها بوضوح، ومنها أن هذا القرار يدعو إلى إقامة حكم ذي مصداقية يشمل الجميع ولاطائفي، وهذا تراجع عن بيان جنيف واحد الذي ينصّ على قيام نظام ديمقراطي، وشتان بين الطرحين، ورأى أن هذا القرار هو بداية التخلي عن إقامة جسم الحكم الانتقالي، فضلًا عن تحذيره من إمكانية أن يُفهم هذا القرار على أنه إقامة حكومة وحدة وطنية، مع بقاء رأس النظام! وهذا ما لا يمكن أن يقبل. كان فهمه عميقًا للنصوص التي تصدر عن الأمم المتحدة، مستفيدًا من خبرته الهائلة بما تعنيه المصطلحات، فكان بالغ الدقة في تحديد مدلولاتها، وسبر مآلاتها.
عتبتُ عليه كثيرًا، عندما استقال من الائتلاف الوطني، وما كان لمثله في كفاحه ونضاله وروحه الرسالية أن يتخلى عن دوره القيادي في المعارضة، فقد كنا أحوج إليه في اللحظات الصعبة الحاسمة، حيث نفتقد الحكمة وسداد الرأي. كان موقفه من الإسلام والإسلاميين إيجابيًا، فقد كان يعتبر نفسه ابن الحضارة الإسلامية والناهل من معينها، وتعاون مع التيار الإسلامي في مواطن شتى، وشكّل مع الإخوان المسلمين في كتلة التجمع الوطني في الائتلاف تحالفًا قويًا، وكان أهمّ مفكر فيها.
صحيح أنه كان يعيب على الإسلاميين بعض تصرفاتهم، وكان قاسيًا، ولكننا نشهد له أنه كان يريد الإصلاح ما استطاع.
كم كانت خاتمته رائعة، بكتابة القيم (من الأمة إلى الطائفة) بأجزائه الثلاثة، وقد قوّض فيه فكرة الأسدية، ولم يبق لها قائمة في أعين الناس. لقد حطم في هذا الكتاب كلّ ما سعى لبنائه النظام الطائفي البعثي من أركان.
هذه كلمات من تلميذٍ له لا تفي بما يستحقه، ولكن عزاءنا أنه سيبقى في قلوبنا في سجل الخالدين.

اترك تعليقاً