الأخبار

كورونا سوريا.. تعتيم رسمي على الإصابات الفعلية وتضارب في أرقام الوفيات10 دقيقة للقراءة

كتبه Zaitun agency

وكالة زيتون – متابعات
بعد إصابته بفيروس كورونا، لم تتمكن سارة من إيجاد سرير فارغ لوالدها في أي من مستشفيات دمشق، مما أدى لوفاته بعد أسبوعين. على سجّل الوفاة، دوّن الطبيب أنها نجمت عن إصابته بـ”ذات الرئة”، وهو التشخيص الذي بات من المعروف محلياً أنه عبارة عن “حالة كورونا غير موثّقة حكوميّاً”، كما تقول سارة.

لم يجر والدها مسحة كونه لم يدخل المستشفى، وتقول سارة، وهي مدرّسة تستخدم اسماً مستعاراً، إن 15 فرداً من عائلتها أصيبوا بالفيروس منتصف مارس/آذار، حالة واحدة منها فقط تمّ تسجيلها رسمياً في سجلات وزارة الصحة التي تعلن يومياً حصيلة الفيروس، وتلك الحالة المُسجلةكانت قد دخلت المشفى بحالة إسعاف.

ما تسرده سارة عيّنة عن واقع تفشي كورونا وكيفية التعامل الرسمي معه، ويتقاطع إلى حدّ كبير مع ما يرويه طبيب عامل في مستشفى حكومي بارز (وقد فضل عدم ذكر اسم المشفى لأسباب أمنية)، ويقول إنّ المستشفى، حيث يعمل، استقبل خلال يوم واحد في شهر نيسان/أبريل الماضي، قرابة 40 حالة ظهرت عليهم عوارض الوباء بشدّة. لكن عشرة منهم فقط، تمكنوا من إجراء مسحات جاءت نتيجتها إيجابية.

تمّ إبلاغ وزارة الصحة عن الحالات العشرة فقط، بينما لم يجر الآخرون مسحات ولم تُسجل أسماءهم عندها، لتعلن الوزارة في اليوم التالي رصدها 43 إصابة في دمشق وضواحيها.

وهذا المستشفى هو واحد من خمسة على الأقل مخصصة لمرضى كورونا في العاصمة، وما رواه الطبيب العامل به، يؤكده ثلاثة أطباء وعاملين في مستشفيات حكومية أخرى في دمشق.

ويقول الطبيب الذي تحفّظ عن كشف هويته خشية من ملاحقته” “إنّ أرقام الإصابات التي تعلن عنها وزارة الصحة هي فقط للحالات التي أجرت مسحات في المشافي الحكومية وجاءت نتيجتها إيجابية”. وتنسحب القاعدة ذاتها على أرقام الوفيات.

وتُتبع هذه القاعدة في جميع المستشفيات، وفق المصدر ذاته، الذي يشرح لنا قائلاً “نرسل المرضى إلى المنزل في حال كان وضعهم يسمح بذلك، مع خطة علاج ملائمة لهم، وهذا هو النظام الذي سرنا عليه بعد بداية الجائحة بشهر أو شهرين حتى اليوم”.

ويتحدّث الطبيب ذاته وممرّضان في دمشق عن تعميم صدر عن وزارة الصحة منذ الصيف الماضي، يوصي المشافي الحكومية بعدم إجراء مسحات إلا لمن تظهر عليهم عوارض قوية وشديدة.

وتتقاطع هذه التصريحات مع تصريح أدلى به مدير الجاهزية والإسعاف والطوارئ الدكتور توفيق حسابا للقناة السورية الرسمية في 7 أبريل/نيسان 2021، قال فيه إن الأعداد التي يتم الإعلان عنها هي فقط الحالات التي راجعت المشافي وأجرت المسحة. وتحدّث عن وجود حالات كثيرة تصاب بالفيروس تقوم بالتطبيب المنزلي، أو أنها تذهب لطبيب خاص، مؤكداً أن كل هذه الأعداد غير مشمولة ضمن الأرقام الرسمية.

                                      

 

وتفرض السلطات بحكم الأمر الواقع تعتيماً على حقيقة أرقام المصابين والضحايا، فيما تشهد البلاد منذ أواخر فبراير موجة ثالثة من الوباء، وقد سجّلت دمشق منذ بداية تفشي الفيروس في العاصمة أي من شهر مارس آذار 2020 وحتى 9 يونيو/حزيران لعام 2021، نحو 5453 إجمالي مصابي كورونا، توفي منهم 575 حالة فقط.

إلا أنّ مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة، يكرر في إحاطته الدورية حول كورونا والتي يصدرها من دمشق بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، الإشارة إلى أنه “بالنظر إلى الاختبارات المحدودة/غير الكافية في جميع أنحاء سوريا، فمن المرجّح أن يكون عدد الحالات الفعلي يتجاوز بكثير الأرقام الرسمية، مع وجود أعداد كبيرة من حالات لا تظهر عليها عوارض وتحديداً حالات خفيفة لم يتم اكتشافها”.

وينقل تقرير عن المكتب في 5 أبريل/نيسان 2021، عن بيانات وزارة الصحة إجرائها نحو 103,566 اختبار PCR في مختبرات في دمشق وريفها وحلب وحمص واللاذقية، حتى 20 مارس/آذار 2021.

وإذا ما انطلقنا من أن الإعلان عن أول إصابة جرى في 22 مارس/آذار 2020، فإن احتساب المعدل الوسطي للفحوصات يظهر إجراء قرابة 286 اختبار يومياً. وهو ما يتطابق مع إعلان نشرته وزارة الصحة على صفحتها على فيسبوك منتصف أغسطس الماضي، أفادت خلاله عن أن العدد المحدد للمسحات يومياً هو 300 مسحة.

وإذا ما قارنا هذه الأرقام مع لبنان المجاور، حيث تمّ تسجيل أكثر من نصف مليون إصابة، يتبين أن البلد الذي يبلغ عدد سكانه ستة ملايين نسمة، يحافظ على سبيل المثال منذ مطلع مايو/أيار 2021 على إجراء 14 ألف اختبار على الأقل يومياً في أيام العمل العادية.

ويبلغ عدد المخابر المخصصة لتحليل فيروس كورونا في عموم سوريا 21 مختبراً موزعين على ست محافظات، 11 منها موجودة في دمشق، ضمنها ثلاثة مختبرات عامة (إحداها مخصصة للدبلوماسيين). ويتراوح سعر المسحة بين 125 ألف ليرة سورية (العملة المحلية) في المخابر التابعة للحكومة، و130 حتى 150 ألف ليرة في المخابر الخاصة. وهذا ما يرتب كلفة مادية مرتفعة على الراغب بإجراء المسحة في بلد يبلغ فيه متوسط الدخل 65 ألف ليرة (نحو 20 دولار وفق سعر تصريف الليرة يوم نشر التحقيق).

يقرّ طبيب مسؤول عن صفحة عبر الإنترنت تقدم استشارات وخدمات طبية للمصابين، أنّه “خلال الأشهر الأولى لتفشي الجائحة، وجراء الغموض في ما يتعلق بالتشخيص أو طرق العلاج، لم يتم التصريح عن الأعداد الحقيقية للمصابين، إما بشكل متعمد أو لأنه فعلاً لم تكن الإصابات واضحة، وكثيراً ما كانت تشخّص على أنها “ذات رئة”.

ويجزم الطبيب أن “الرقم الرسمي للوفيات أقل بكثير من الأرقام الحقيقية بكل تأكيد”، فوزارة الصحة تحصي في بياناتها “من توفوا في المشافي الحكومية بعدما كانوا قد من أجروا مسحات جاءت نتيجتها إيجابية”.

وفيات النقابات تفضح التلاعب بالأرقام

ولعلّ المثال الأوضح على التعتيم الرسمي على واقع كورونا هو ما يظهره تتبّع ومقارنة تصريحات رسمية عن نسبة وفيات الأطباء من تناقض كبير في الأرقام.

عبر مراجعة صفحة نقابة الأطباء في دمشق، يمكن رصد إعلانها عن 33 حالة وفاة على الأقل، بالأسماء، في صفوف المنتسبين إليها في الفترة الممتدة بين 27 يوليو/حزيران حتى 15 أغسطس/آب 2020، وفق ما تظهره المنشورات في موقع فيسبوك:

     

في 25 يونيو/تموز 2020: 3 وفيات

3 أغسطس/آب 2020: 7 وفيات

4 أغسطس/آب 2020: 3 وفيات

6 أغسطس/آب 2020: 4 وفيات

7 أغسطس/آب 2020: 11 وفاة

9 أغسطس/آب 2020: 5 وفيات

       

   

   

                                       

في 25 يونيو/تموز 2020 3وفيات

3 أغسطس/آب 2020: 7وفيات

4 أغسطس/آب 2020: 3وفيات

6 أغسطس/آب 2020: 4وفيات

7 أغسطس/آب 2020: 11وفيات

9 أغسطس/آب 2020: 5وفيات

   

       

           

من جهتها، نعت نقابة المحامين في سوريا في 7 أغسطس/آب على صفحتها في فيسبوك 17 محامياً، توفوا جراء الفيروس.

ولدى جمع عدد الوفيات المعلن عنها رسمياً في صفوف النقابتين، يتبيّن أن الإجمالي هو 50 وفاة على الأقل حتى 9 أغسطس/آب، لكن تقرير تقريره وزارة الصحة اليومي الصادر في 11 أغسطس/آب، يشير إلى تسجيل 53 حالة وفاة منذ بدء تفشي الوباء، ولدى مقارنة الرقمين يمكن الاستنتاج أنه من غير المنطقي أن تكون 50 حالة وفاة من إجمالي 53 حالة سجّلتها الوزارة، خلال نحو خمسة أشهر، محصورة بنقابتي الأطباء والمحامين.

       

وفي دليل إضافي على التخبّط في إعلان أرقام الوفيات، في القطاع الطبي أيضاً، تظهر مراجعة تصريحات نقيب أطباء سوريا الدكتور كمال عامر، إعلانه في مقابلة عبر إذاعة “المدينة أف أم” في 7 ديسمبر/كانون الأول، أن عدد الأطباء المتوفين، من المسجلين في صفوف النقابة، والمثبتة إصابتهم بالفيروس يلامس الخمسين.

ويقول في المقابلة المصورة وبشكل شديد الوضوح “لدينا أطباء كثر توفوا، لكن العدد الذي تم إثباته وورد إلى النقابة من كل المحافظات بعد (إجراء) اختبار PCR هو بحدود 48. هذا المثبت فقط”.

وفي تقريره بتاريخ 5 أبريل/نيسان 2021، ينقل مكتب تنسيق الشؤون الانسانية  إبلاغ وزارة الصحة تسجيلها 691 إصابة في صفوف الطواقم الطبية، بينها 30 وفاة فقط.

وكانت صفحات موالية تداولت في 16 أغسطس/آب قائمة بأسماء أكثر من 60 طبيب توفوا جراء كورونا.

              

كورونا أو الجوع؟

يقول الطبيب الذي عاين مئات المصابين خلال عام “نرى اليوم انفجاراً غير مسبوق في الحالات. فقدنا عشرات الأطباء بسبب تعرّضهم لعدد كبير من المرضى، وأيضاً نتيجة ضعف إجراءات التعقيم ضمن غرف الجراحة، وعدم التأكد من أن المرضى الذين سيخضعون لعمليات جراحية مختلفة غير مصابين بكورونا، وهو ما أدى إلى وفاة كثيرين من أطباء الجراحة على وجه الخصوص”.

وفيما تنهك الجائحة النظم الصحية وتشلّ الحركة الاقتصادية وتوقف الفعاليات والأنشطة في الغالبية الساحقة من الدول، تنقل وسائل الإعلام في سوريا حركة طبيعية في الأسواق واحتفالات من دون أي اعتبار لانتشار الفيروس كوضع الكمامات أو الحفاظ على التباعد الاجتماعي.

يبرّر مسؤولون هذا التفلّت بالقول إنه لا قدرة للسلطات، بعد عشر سنوات من نزاع مدمر ودام، على تحمّل كلفة الإغلاق الاقتصادية، فيما يعيش غالبية السوريين تحت خط الفقر.

وفي تسجيل مصوّر في مايو/أيار 2020، قال رئيس النظام بشار الأسد، إثر تخفيف قيود الإغلاق إثر تفشي الوباء، “يمكن الطلب من المواطن استخدام إجراءات وقاية، لكن لا إجراءات للوقاية من الجوع سوى العمل”.

نتيجة التفلّت الحاصل، وفي خضم الموجة الثالثة من الوباء، يؤكد ثلاثة أطباء في دمشق إنّ فرصة قبول مريض جديد في العناية المشددة تكافئ حالياً فرصة وفاة مريض، أو نقله إلى غرفة عادية، فيما لا يتجاوز عدد أسرة العناية في المشافي الحكومية في دمشق 130 سريراً، وهو عدد يمكن أن يمتلئ خلال يوم أو يومين في وقت الذروة.

وقد أعلنت فعلاً وزارة الصحة منتصف مارس/آذار 2021 أنّ نسبة إشغال أسرّة العناية المركزة المخصصة لكورونا في دمشق بلغت مئة بالمئة، في إعلان هو الأول من نوعه منذ بدء تفشي الوباء. مما تطلّب الأمر نقل مصابين إلى مستشفيات خارج العاصمة.

   

فرص النجاة للميسورين فقط

أما في المشافي الخاصة التي تستقبل مرضى كورونا، فيبدو أن الحصول على رعاية صحية، يكاد يكون حكراً على النافذين أو الميسورين.

يستعيد سالم، وهو اسم مستعار لشاب ثلاثيني من دمشق، إصابته بكورونا خلال فبراير 2021، مع والدته ووالده الذي احتاج دخول العناية المشددة. ويقول “بعد بحث مضن ليومين، عثرنا على سرير فارغ لوالدي في مشفى خاص، وتوجب علينا دفع نحو نصف مليون ليرة أجرة الليلة الواحدة، عدا عن ثلاثة ملايين ليرة عند التسجيل، وهي كلفة الأدوية اللازمة للعلاج ضمن المشفى، وفق ما تم إبلاغنا”.

ويضيف “لولا أننا نتمتع بوضع مادي جيد نسبياً، لكنا عاجزين عن إدخال والدي إلى المشفى ولا ندري ما كان مصيره حينها”.

وينقل تقرير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في أبريل عن وزارة الصحة تشغيلها (في مناطق سيطرتها) 21 مركزاً للعزل، بسعة تراكمية تصل إلى 1144 سريراً، بما في ذلك 934 سريراً للعزل، و210 أسرّة لوحدة العناية المركزة، و185 جهاز تنفس اصطناعي.

وأوضحت دراسة أعدتها جامعة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية (LSE) وهي واحدة من أبرز جامعات العلوم الاجتماعية في العالم، أنه يمكن علاج 325 مصاباً فقط بالنظر إلى عدد الأسرّة المزودة بأجهزة التنفس الاصطناعي في وحدات العناية المركزة والمتوفرة راهناً، من أصل ما يقارب 700 سرير في عموم البلاد.

وأكدت الدراسة التي نشرت في 25 مايو/أيار 2020، أن النظام الصحي قادر على تحمل 6500 إصابة على الأكثر. وتبلغ “العتبة القصوى لاحتواء كوفيد-19 في دمشق 1920 في حين تبلغ صفر في دير الزور”، استنادًا إلى بيانات HeRAMS التابعة لمنظمة الصحة العالمية

ويُقصد بـ”العتبة القصوى للاحتواء” عدد أسرة العناية المركزة “المعدّة للإشغال” طيلة العام، وفي دمشق يبلغ عدد أسرة العناية المشددة في المشافي العامة والخاصة 96 سريراً، كما يبلغ متوسط ما يحتاج إليه المريض للمكوث في المشفى هو 13 يوماً.

وافترضت الدراسة أن القدرة الإجمالية لنظام الرعاية الصحية الحالي للتعامل مع حالات كورونا أن “5٪ منها على الأقل تتطلب دعماً من وحدة العناية المركزة”، وإذا ما قسمنا عدد الأسرة في العاصمة على المدة المحددة للمكوث في المشفى، بالتالي فإن أقصى حد يمكن للمنظومة الصحية أن تستوعبه هو 1920 حالة طيلة العام.

وقال الطبيب المسؤول عن الصفحة التي تقدم خدمات واستشارات طبية مطلع أبريل/نيسان: “نعتقد الآن ونحن في وسط الذروة الثالثة، أن عدد الإصابات اليومية لا يقل عن آلاف عدّة” لكن قلّة تقصد المستشفيات.

في الوقت الذي أعلن فيه وزير الصحة في مقابلة مع القناة السورية في 5 مايو/أيار، أنّ فعالية الموجة الثالثة من الإصابات “بدأت تخف منذ حوالي الأسبوع” موضحاً أن “الأرقام المسجلة لعدد الإصابات التي تعلنها وزارة الصحة حقيقية”.

لكنه أوضح في الوقت ذاته، أن الحكومة “بصدد تجهيز مشفى في مشروع دمر خاص بالعناية المشددة مزود بـ 15 سريراً و11 منفسة جديدة”، ما يؤشر الى الحاجة لتوسيع قدرة المشافي الاستيعابية في العاصمة.

ورغم أنّ “الكوادر الطبية اكتسبت خبرة كبيرة في التعامل مع الوباء، لكنها تبقى أسيرة إمكانات محدودة جداً، سواء لوجستية أم مادية”، وفق الطبيب الذي يتحدّث عن “مرضى يموتون في منازلهم” وعائلات “ترفض التصريح عن المرض أو الوفاة بسبب كورونا، لأسباب عدّة بينها “رغبتها بإقامة مراسم دفن والعزاء”.

ويستنتج “هذه المعطيات مجتمعة تجعل من شبه المستحيل حصر أعداد الوفيات جراء الفيروس”.

أنجزت هذا التحقيق: لارا خليفة من لبنان ودانة سقباني من سوريا، بدعم من منظمة أضواء، وبإشراف: زينة ارحيم.

       

   
المصدر: إيران واير

 

اترك تعليقاً