السياسة

سامر العاني: الجانب المشرق في الشمال السوري3 دقيقة للقراءة

كتبه Zaitun agency

وكالة زيتون – خاص

سامر العاني || مقال رأي

لفتني تقرير بحثي مهم لمركز “عمران للدراسات” تحت عنوان “التعافي الاقتصادي المبكر في مناطق المعارضة خلال النصف الأول من 2021” يلحظ تطور تلك المناطق على كافة الأصعدة الخدمية والإنتاجية، ماء، كهرباء، نقل ومواصلات، تطور عمراني، صحة، صناعة، تجارة، اتصالات.

يعكس هذا التقرير التطور الفعلي لمناطق حكومة المعارضة السورية، فمن يعيش في الشمال السوري، أو يزوره باستمرار، يلاحظ التطور اليومي على كافة الأصعدة، إذ أنّ مناطق عمليات “نبع السلام” و”درع الفرات” و”غصن الزيتون”، ليست هي كذي قبل، البناء يطال كل القطاعات التي تهم الناس، في الشمال السوري إدارة مدنية تضاهي مناطق الأسد و”الإدارة الذاتية” الكردية على حد سواء.

لا يشهد الشمال السوري اليوم طوابير على المحطات الوقود أو أفران الخبز أو المؤسسات الاستهلاكية كما في مناطق سيطرة الأسد، ولا يشهد تجنيداً إجبارياً ونظام كفالات للوافدين إليه كما في مناطق سيطرة “الإدارة الذاتية”، وهذا ما جعله ملاذاً آمنا للجميع، لاسيما فئة الشباب التي أصبحت مستهدفة في مناطق الأسد و”قسد” على حد سواء.

بالتأكيد لا أتحدث هنا عن مدينة أفلاطون الفاضلة، لكن حديثي عن منطقة تشهد صراعاً عسكرياً وسياسياً لن يكون فيها البقاء للأقوى، لكن للأفضل، وهذا ما يعكس توافد الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي على المؤسسة التنفيذية وعرض المزيد من المشاريع عليهم، وتؤكده منصات خارجياتهم على وسائل التواصل الاجتماعي ومواقهم الرسمية.

أدرك نظام الأسد و”الإدارة الذاتية” الكردية خطر إعادة إعمار مناطق المعارضة على وجودهم، فالحرب ليست بالسلاح فقط، ولعل أشد أنواع النضال في سبيل الحرية هو النضال المدني، إذ شكّل صمود الشعب السوري على مدى عقد كامل صدمة لدى قوى الاستبداد، وعزّز هذا الصمود تطور في المؤسسات الخدمية والإنتاجية التي أخذت طابع الدولة، ممّا دفع بهما لشن الهجوم على تلك المؤسسات ومحاولة إسقاطها لعلمهم يقيناً إلى أين ستوصلهم تلك المؤسسات.

حيال ذلك عمدت قوى الشر المحيطة بالثورة السورية إلى تجنيد وسائل الإعلام للإضاءة على التجاوزات في مناطق المعارضة السورية –وهي موجودة بالفعل- على حساب التطور الكبير الذي تشهده تلك المناطق، رغبة منهم أن لا يظهر النموذج المدني لمؤسسات المعارضة السورية محفّزا للحاضنة في مناطقهم أن يفتحوا باب المقارنة، مما قد يدفعهم للضغط عليهم بشكل أكبر للمطالبة بخدمات لا يمكن تحقيقها.

في الحالة السورية، يمكن القول إنه تم تبريد كافة جبهات القتال، وتزامن هذا مع توقف –إن لم يكن فشلاً- للعملية السياسية، وهنا يأتي دور المؤسسات في استمرار عملية النضال نحو الحرية، وأظنها آخر وأهم الوسائل، فالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، في حالة الفصل الحالية بين مناطق المعارضة وبين مناطق قوى الاستبداد، تلعبان دورا مهما نحو إسقاط تلك الأنظمة، فالأنظمة الديكتاتورية لا تسقط إلا إذا تغيّر نموج حكوماتها، لذا جنّد الأسد والإدارة الذاتية الكردية كل طاقاتهما الإعلامية نحو محاربة هذا التطور.

في إحدى زياراتي إلى الشمال السوري، لاحظت وجود فنادق تنتشر في مدن المنطقة، قال لي أحد أصحاب تلك الفنادق إنّ نزلاءهم من التجار والعاملين في الشأن المدني يأتون من تركيا أو من المناطق البعيدة في الداخل السوري، ينهون أعمالهم ويبقون يومان أو ثلاثة أيام يرتادون خلالها المرافق السياحية التي أصبحت منتشرة في كامل المناطق المحررة، دركوش وعفرين وريفها ومناطق أخرى.

نعم هي سياحة وعمل، ولا يفعل ذلك إلّا من كان لديه شعور مطلق باستقرار تلك المناطق وتطورها، فهي ليست مناطق لانتشار الأوبئة والفقر والجهل، وسكانها ليسوا على حافة الموت والانهيار، وما تحتاجه سلة إغاثية وأطراف صناعية.

صحيح أنّ هذا الأمر موجود بالفعل، لكنه النسبة الأقل وسط انتشار المشاريع التجارية والصناعية والمؤسسات الخدمية، وأظن أنّ واجبنا اليوم هو تعزيز هذه الحالة المدنية لا خدمة المتربصين بها من خلال التعتيم عليها.

اترك تعليقاً