الأخبار

إشكالية الدين والدستور.. أيهما المقدّس؟6 دقيقة للقراءة

كتبه Zaitun agency

وكالة زيتون || تقرير خاص || الكاتب سامر العاني

يدور جدل بين فئات المجتمع المختلفة حول تضمين الدستور لمواد متعلقة بدين الدولة، ممّا شكّل تيارين مختلفين بالرأي، إذ يرى التيار الأول ضرورة تضمين مواد تحدد تشير بوضوح إلى دين الدولة ومصادر التشريع، فيما يرى التيار الثاني أنه لا يصح التحدث عن دين الدولة فالدولة بالنهاية مؤسسات وليست أشخاص.

هذه الجدلية ليست وليدة اللحظة، بل هي مشكلة تصاعدت عندما أثار رئيس النظام السوري السابق حافظ الأسد ولاقى مواجهة عنيفة من قبل رجال الدين وعلى رأسهم الشيخ حسن حبنكة.

يقول الفقيه الدستوري الدكتور سام دله لوكالة زيتون إنّه لا يوجد أي تعارض بين الدين والدستور، ولا يمنع أن يُنص على وجود دين معين أو الإشارة إلى دين في الدستور، هذا موجود في دساتير كثيرة من دول العالم مثل اسبانيا وبريطانيا، ففي بريطانيا رأس الكنيسة الأمريكانية هو الملك، ولكن في المقابل هذه الدول الكنيسة لا تتدخل، ولا وجود للدين في تفاصيل الحياة العامة
ويضيف أنّه حتى في سوريا، عندما شاركت في وضع دستور عام 2012 وطرح موضوع دين الدولة قلت إنّه لا يوجد أي مشكلة في الإشارة إلى دين الدولة في نص الدستور، لأنّ النقاش في هذا الأمر بهذا الوضع سيكون معركة لا قيمة لها، فالمشكلة في سوريا ليست دين الدولة، وليست دين رئيس الجمهورية، وليست مكانة الدين، وإنما المشكلة تكمن بالاستبداد.

ويشير إلى أنّه “عندما كنا نتناقش في دستور 2012 كان النقاش لأجل النفاش وليس ليؤخذ به، والنظام كان يريد هذا النقاش لأّنه سوف يصور نفسه بذلك أنّه يحمي العلمانية يحمي الدين في ذات الوقت، ويعزف على هذا الوتر في ذات الوقت”.

ويرى “دله” أن ما يطرح حول إشكالية الدين وعلاقته في الدولة ليس وقته حاليا، ولدينا نص موجود منذ القدم في دساتير سابقة منها دستور 1950 لم يطرح مشكلة ولا يوجد مشكلة، لكن من أثار المشكلة هو حافظ الأسد عندما حاول التغيير في سنة 1971 ومن ثم عام 1973 ثم تراجع عنه بعد ضغط رجال الدين، ولكن رجال الدين نسوا بقية النصوص الأكثر كارثية، وهي النصوص المتعلقة بالاستبداد.

تقديس الدين أم الدستور

ترى فئة من المجتمع السوري أنّ القداسة في أي دولة للدين ولا قدسية لغيره، فيما تنظر فئة ثانية إلى أنّ الدستور هو المقدس في دولة تتنوع فيها الأديان والأعراق. يقول الدكتور سام دله إنّه عندما نتحدث عن دولة مدنية فمن المفترض أن نتحدث عن دستور، فالأولوية هي للدستور وهو الوحيد المقدس في الدولة، إذ أنّ الدين هو علاقة بين الشخص والاله الذي يعبده، وبالتالي لا يمكن أن نقول أنّ الدين موجود في الدستور كمقدس، فهو مقدس كطقس اجتماعي أو كطقس ديني في هذا الإطار، ويلفت إلى أنّه لا يوجد في أي دستور من دساتير دول العالم نص يتعلق لا بتقديس الدين ولا بتقديس الدستور، فعندما نقول مقدس نعني أنه لا يمكن المساس به ولكن من يمنع المساس به؟ في الدستور هناك رقابة على دستورية اي تصرف نستطيع الحكم عليه انه دستوري او غير دستوري.

فيما يرى السياسي الدكتور أيمن عبد النور خلال حديث خاص مع وكالة زيتون أنّ الدولة هي عبارة عن تعاقد بين جميع مكونات المجتمع، وهي عبارة عن جهاز كبير من الموظفين الذي يسهر على حماية مصالح الأمن القومي لذلك البلد، وتعظيم المردود الاقتصادي بما ينعكس ايجابا على مواطنيه، ففي التعابير السياسية لا يتم استخدام تعبير “المقدس” فلأنه يعني عدم إمكانية التغيير أو التعديل، بينما في سياسات الدول لا يوجد قانون مهما كان، بما فيه الدستور يُمنع النقاش فيه أو تعديله ضمن الأطر القانونية التي ينظم أداؤها الدستور نفسه.

ويضيف أنّه في كل دستور هناك مواد تتحدث عن إمكانية تعديله وتطويره وتغييره وتبديله، لذلك هذا ينفي تماما وجود أمور حلال بشكل قاطع أو حرام بشكل قاطع ومقدس. لذلك لا يوجد في السياسة كلمة قداسة وكلمة حب، فهي مصالح، وتعظيم المردود، وحماية الأمن للبلد، فلذلك لا نستطيع القول بوجود أمر مقدس، المقدس في النهاية هو القانون وعلى رأسه الدستور، بمعنى أنه في لحظة وجوده هو أعلى سلطة اخلاقية موجودة، لكن في لحظة تعديله يصبح الدستور الجديد هو أعلى سلطة اخلاقية ناظمة في ذلك البلد.

رجال الدين والدستور

يطالب رجال الدين على الدوام أن يكون ضمانات من خلال مواد دستورية تحميهم وتحمي الدين، لذلك يطالبون على الدوام بإدراج مواد تحميهم ودينهم، بينما تذهب فئة إلى أن الدستور يجب أن يحمي الفرد دون تخصيص أحد عن الآخر.

ويرى الدكتور سامر دله أنّه ليس لدينا الكثير من البنود المتعلقة برجال الدين، ففي الدين الإسلامي لا يوجد كهنوت، وإنما هناك مكانة للإسلام في المجتمعات الإسلامية، فالنص الموجود لدينا في سوريا نص معقول وجيد فيما يتعلق بأن الفقه الإسلامي مصدر أساسي من مصادر التشريع، أو حتى لو قلنا المصدر الأساسي فهو يبقى أحد المصادر ولا يعني أنّه المصدر الوحيد، وهذا لا يعطي تقدم للدين الإسلامي على بقية الأديان، وإنما اعتراف بالمكانة لغالبية المجتمع السوري وهذا أمر منطقي، ولا يوجد أي إشكال في هذا الإطار. 

 

ويضيف أنّ النص الذي يخلق عدم المساواة هو القول بأن دين رئيس الدولة هو الإسلام، وبالتالي يمنع فئة من المجتمع السوري أن تصل الى رئاسة الدولة وبالتالي هذا يخل بجوهر الديمقراطية وبمبدأ المساواة الذي يعتبر أساس الانطلاق بمبدأ دستوري، وأمّا القول بأن الفقه الإسلامي مصدر أو المصدر للتشريع فلا يوجد فيه مشكلة، حتى في الدول العربية الأخرى قيل بنص آخر قد يكون منتقد أن دين الدولة الإسلام، وهذا لا يعني أنه هو الدين الوحيد ولكن يعني دين الأغلبية.

 

ويرى أنّ الدولة لا يوجد لديها دين، لأن الدين هو علاقة شخص فيزيائي مع الله وليس علاقة شخص معنوي أو اعتباري الذي هو الدولة، فلا يمكن القول أنّ شركة النقل الحديدية دينها كذا، فالدولة مثل الشركة مثل أي تجمع مبني على عقد اجتماعي، مؤسسات، ولكن قيل أنّ دين الدولة هو الإسلام لإعطائه مكانة، وهذا لا يوجد فيه أي غضاضة، ولا يعني أنه هو الدين الوحيد، فمعظم الدول العربية التي أخذت بهذا النص يوجد لديها ديانات أخرى واعتراف وحماية، لذلك هذه النصوص الرئيسية المتعلقة في هذا الإطار.

 

ويضيف أنه يأتي بعد ذلك قوانين الأحوال الشخصية، وهذا أيضا مسار نقاش، فنحن لسنا دول مدنية بالمعنى الحرفي للكلمة، ولكن حتى الشريعة الإسلامية لا يوجد فيها مدرسة فقهية واحدة فيما يتعلق بالأحوال الشخصية، وإنما هنالك مدارس متعددة، وبالتالي يوجد تنوع وتساهل وتشدد في بعض القضايا. 

 

ويلفت إلى أنّ ما يجري على الصعيد العالمي من تطورات قانونية يخفف كثيراً من الغلو الذي كان موجود سابقا لعدة اعتبارات، فمثلا معظم الدول العربية ومنها مصر ودول الخليج بدت دساتيرها وقوانينها أكثر حداثة من الموجودة لدينا في سوريا.

 

ويشير إلى أنّ الدستور لا يركز على المسائل المدنية مثل الزواج وغيره لا تذكر في الدستور فهذه تأتي في القوانين، لكن عادة الدستور يأتي بنص مثل دساتير 1973 ودستور 1950 ودستور 2012 التي تتحدث على احترام الشعائر الدينية لكل المذاهب أو كل الفئات الإسلامية أو كل الأديان، وبالتالي هذا الأمر يؤخذ في الحسبان ولا ينص عليه بالدستور.

 

فيما يرى الدكتور أيمن عبد النور أنّه يجب ألا يكون لأي رجل دين عمل سياسي، وإذا ما شاء، فإنه مباشرة يقبل ان تنزع عنه الحصانة الاخلاقية او تمثيله للدين او الطائفة او المذهب الذي ينتمي له. فعندما نناقش افكاره السياسية والاجتماعية لتطوير أمر ما أو قانون ما فإننا نناقش فكر سياسي، وليس فكر ديني ايديولوجي أو فقه أو شريعة أو كتاب الله يمنع تعديله أو تغييره، وتستطيع أن تهاجمه وسوف يكون جزء من المناكفات السياسية والاهانات التي يتعرض لها عمل كل سياسي في كل دول العالم.  

 

ويضيف ألا أحد خارج نطاق الانتقاد والنقد والاستقالة والاعتذار، فأي رجل دين يدخل المعترك السياسي يجب أن يدرك أنه سوف ينضم إلى هذه الجوقة.

 

 بعض رجال الدين يحرصون على حماية مصالحهم، أو وضع بعض الكلمات من أجل المحافظة على شعبيتهم، ويقولون لمتابعيهم ومريديهم أنهم يحسنون تمثيله وأنهم استطاعوا فرض هذه القواعد في الدستور على النخبة الحاكمة، وهي التي تحمي الدين. 

 

ويؤكّد أنّه لا يوجد شيء يحمي الدين سوى الاخلاق والمواطنة، فعندما نرى دولة فيها دستور لكن الحاكم ديكتاتوري يتصرف كأنه خارج الدستور وغير خاضع للمساءلة، وسنرى أنّ الحاكم أول من سينكل بكل الأديان وكل رجال وعلماء الدين.

اترك تعليقاً