السياسة

لغة الدولة ولغات الشعوب دستورياً7 دقيقة للقراءة

كتبه Zaitun agency

وكالة زيتون ||تقرير ||سامر العاني

لم تعد مسألة لغة الدولة نقاش ينحصر بين سياسيي المعارضة السورية، بل تحول إلى نقاش اجتماعي بين أبناء الأعراق المتعددة من السوريين، وأصبحت مكونات الهوية العرقية مثار جدل، امتد إلى وسائل الإعلام، إذ ترى فئة أنّ اللغة الرسمية في الدولة يجب أن تكون لغة الأغلبية مع الحفاظ على الحقوق الثقافية لأصحاب اللغات المختلفة، فيما يرى آخرون لأنّ الانتماء الحضاري للدولة يبدأ من الاعتراف بلغاتهم كلغات رسمية يكفلها الدستور.

يقول الفقيه الدستوري الدكتور سام دله لـ “وكالة زيتون” إنّ معظم الدول بدأت تسمح بأن يتضمن دستورها اللغة الرسمية ولغات رسمية لغة رسمية كلغات أخرى قد تستخدم على مستوى منطقة معينة أو على مستوى الدولة ككل، ولكن في العادة لا يُكثر من اللغات لأنّ تكلفتها الاقتصادية كبيرة قد لا تتحملها الدول التي تعاني من ضعف في اقتصادها، إذ يترتب عليها كتابة كل الوثائق بلغتين أو ثلاث لغات أو أربعة في القضاء والمدارس والإعلام وغيرها.

ويضيف أنّ السياق في سوريا كان مختلف لأسباب سياسية وخصوصا اللغة الكردية بسبب وجود نزعات انفصالية، إذ كان يتم التعاطي مع المسألة الكردية في سوريا بطريقة أمنية وليس بطريقة سياسية أو مجتمعية.

الاعتراف باللغات المتعددة
تطور النقاش حول اللغة الرسمية في سوريا إلى معركة يسعى كل طرف فيها لإثبات صحة وجهة نظره من خلال الاسقاطات التاريخية ومراجعة دساتير الدول التي مرت بحالات شبيهة بالحالة السورية، وهذا ما طوّر الأمر إلى إصدار أبحاث ودراسات منها ما يثبت أنّ تعدد اللغات الرسمية غير مفيد في الوضع السوري الراهن، ومنها ما يقدم مقاربة مختلفة يسعى من خلالها إلى التأكيد على أهمية الاعتراف باللغات المختلفة كلغات رسمية.
من جانبه، يقول الباحث مهند الكاطع لـ “وكالة زيتون” إنّ العرب يشكلون أكثر من ٩٣٪؜ من سكان سوريا، أما الناطقين بغير العربية فهم يشكلون أقلية، والجزء الاكبر منهم أكراد الشمال وشمال شرقي سوريا، وجزء بسيط من التركمان، وعدد محدود من السريان وما تبقى من آشور وأرمن.

ويضيف أنّه أمام هذه المعطيات، نجد أن الحديث في الحالة السورية عن لغات رسمية غير العربية هو أمر غير واقعي ويستحيل الوفاء بالالتزامات الدستورية المترتبة على هذا الاعتراف، ربما يمكننا الحديث عن الاعتراف بلغات محلية وطنية أو برامج دعم حكومية لتدريس اللغات المحلية غير العربية، فهذا يعزز مسألة الحقوق الثقافية، وبنفس الوقت لا يخلق إشكالية حقيقية للأكثرية، الذين سيُجبرون على التعامل مع لغات لا يستخدمونها في حال اعتبارها لغات رسمية، وتستوجب إجراء تغييرات وتعديلات في مؤسسات التعليم والمحاكم والدوائر الرسمية والعلاقات العامة الداخلية والخارجية ويكلف أعباء مالية وعوائق إدارية”.

فيما يرى المتحدث باسم تيار المستقبل الكردي في سوريا “علي تمي” خلال حديث إلى “وكالة زيتون” أن الاعتراف باللغات المتعددة كلغات رسمية في الدستور السوري المستقبلي سيعطي قوة إضافية للدولة ومؤسساتها وشرعيتها، وسيعطي الأريحية للمكونات المهمشة داخل البلد، وستشعرهم بالانتماء الحقيقي والقيام بكافة واجباتهم تجاه الوطن.

ويلفت إلى أنّ اللغة المقصودة التي تمت محاربتها من قبل نظام البعث هي اللغة الكردية تحديداً، لأن بقية اللغات وخاصة الأرمنية والآشورية كانت تدرس بطريقة أو بأخرى داخل الكنائس والأماكن المخصصة لها.

الصعوبات والتحديات
كل أمر هو سلاح ذو حدين، له مخاطره ومشكلاته، ومنافعه وإيجابيات، ومن تلك المسائل تعدد اللغات كلغات رسمية في الدولة بموجب الدستور، إذ يرى البعض أنّ لذلك الأمر تبعات اقتصادية وسياسية خطيرة قد تؤسس للتقسيم، فيما يرى آخرون أنّ المخاطر تكمن في عدم الاعتراف باللغات المتعددة رسمية ينتهك خصوصية وثقافة الشعوب المتعددة في الدولة.

ويعتَبر الباحث “مهند الكاطع” أنّ المسألة ليست مسألة مخاطر بقدر ما هي مسألة صعوبات وتحديات في هذا الإجراء كما أسلفنا، صحيح أن هناك أطراف تسعى لتحقيق مكسب سياسي عبر هذه الخطوة مثل الأكراد على سبيل المثال، الذين يعتقدون أن مسألة الاعتراف بلغتهم لغة رسمية في البلاد سيكون مقدمة لاعترافات بمطالب سياسية كالفيدرالية مثلاً، لكن الإشكالية تكمن بخلاف ما ذكرناه سابقاً هي في أن اللغة/ اللغات الكردية تواجه تحديات جسيمة على مستوى التدوين والقواعد والانتشار والأهمية، ويشير أنّ الاعتراف بلغة رسمية في أي بلد يستوجب المساواة بين مجموعتين لغويتين أو أكثر لهما نفس الأهمية العددية، وتتساوى القيمة المعرفية لهذه اللغات، وهنا لا مجال للمقارنة بين اللغة العربية واللغات المحلية المحدودة الأخرى في سوريا.

بينما ينظر السياسي “علي تمي” إلى أنّ عدم الاعتراف باللغات المتعددة وعلى رأسها اللغة الكردية يعني عدم اعتراف بخصوصية شعب يعيش على أرضه التاريخية، وبالتالي سيجد هذا الشعب أو المكون نفسه بعيداً عن الدستور ومهمشاً، وستبقى المشكلة قائمة وربما يتم استغلالها من قبل القوى الدولية، وعدم شرعنة الدستور المستقبلي المتفق عليه بين مكونات المجتمع السوري. 

لغة الدولة ولغات الشعوب

تعتبر لغة الدولة هي اللغة التي يتم التعامل بها على مستوى المؤسسات، ويتم مخاطبة الشعب بها، وأمّا اللغات الأخرى كلغات معترف بها في الدولة فتكون على صعيد الاستخدام في مناطق تواجد المتحدثين بها كحق من حقوق المواطن، ولا يرى البعض وجود حاجة ملحة للاعتراف بلغة رسمية ثانية، بينما يرى آخرون أنّ الاعتراف بلغات ثانية دستوريا هو حق وليس عطاء.

يقول الباحث مهند الكاطع إنّ هناك عاملين مهمين في اللغات الرسمية، وهي الأهمية العددية وانتشار اللغة في الدولة واستخدامها والعامل الآخر هي الأهمية المعرفية للغة ذاتها، ففي سويسرا -على سبيل المثال- حتى عام 1996، كان الدستور ينص على أن للبلاد أربع لغات وطنية هي (الألمانية، والفرنسية، والإيطالية، والرومانشية)، لكن ثلاث لغات منها هي رسمية: (الألمانية، الفرنسية، الإيطالية)، وهذه اللغات لغات حية وعالمية ومستخدَمة على نطاق واسع في سويسرا، من دون عوائق. في حين أن دولاً مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا لها لغة رسمية واحدة، على الرغم من وجود أقليات لغوية أخرى في البلاد”

ويضيف أنّه في في سورية يمكن أن تكون العربية والكردية والتركمانية والسريانية لغات وطنية مثلاً أي من حق ابناءها تعلمها وتنميتها بدعم من الدولة، لكن العربية هي اللغة الرسمية في البلاد، وغير ذلك ستكون الدولة عاجزة عن تلبية الالتزامات الخاصة بلغات ولهجات الاقليات المحدودة الانتشار، بل سيكون إجراء ذلك سابقة لم يسبقنا أحد إليها.

إلا أنّ السياسي علي تمي يشير إلى أمثلة كثيرة يمكن الاحتذاء بها، فمثلا في تركيا تدرس اللغة الكردية في الجامعات، وتم افتتاح قناة فضائية باللغة نفسها في هذا البلد، ويمكن اعتبار هذا خطوة نحو الاعتراف الكامل والشامل بهذه القضية، وفي سوريا المستقبل أيضاً يمكن الاستفادة من هذه التجربة، فالاعتراف بأي قضية يبدأ من الاعتراف باللغة، ومن ثم يتم حل بقية المسائل ضمن الدستور، وعدم الاعتراف بلغة المكونات في البلد يعني بقاء البلد ضمن التوترات والقلق واستمرار المشاكل بين الدولة والمكونات التي يتم تهميشها. 

للخبراء رأي

يقول الفقيه الدستوري الدكتور سام دله إنّه بالنسبة للغة فإنّ معظم الدول لديها لغة رسمية أو عدد من اللغات الرسمية، وإذا اخذنا الوضع في سوريا فإنّ اللغة العربية هي الوحيدة المنصوص عليها، ولم ينص على اللغات الأخرى مع انّه يوجد تنوع لغوي في سوريا.

ويرى أنّ كثير من دول العالم كانت ترفض في البداية إدراج أكثر من لغة واحدة في دستور الدولة لأنّها أقل تكلفة اقتصادية وأكثر سهولة في التواصل، باستثناء الدول الفيدرالية التي تقوم أصلاً على تنوع اثني مثل سويسرا وكندا، ولكن مع الاتفاقيات الدولية لحماية حقوق الأقليات الفردية سواء الفردية أو الجماعية بدأت عملية النظر إلى التنوع اللغوي كمصدر أساسي كأحد الحقوق الأساسية للناس.

ويتابع، يوجد شيء اسمه اللغة الرسمية وشيء اسمه لغات رسمية، معظم الدول بدأت تفتح الآفاق أمام اللغات الأخرى، فعلى سبيل المثال ما حدث في المغرب أثناء تعديل دستور 2011 عندما بدأ الحراك في بعض الدول العربية، فقد تلقف ملك المغرب هذا الأمر وعدّل الدستور واعترف ببقية اللغات مثل الأمازيغية وعدد من اللغات المحلية واعتبرها لغات رسمية، وشكل مجلس بموجب الدستور للتنوع اللغوي وأنّ هذا مصدر إثراء.

ويضيف أنّه في سوريا كان يوجد لغات تدرس من باب تمكين المجتمع كالإنكليزية والفرنسية، وكان يوجد تساهل في بعض اللغات غير العربية، ولكن كانت اللغة الكردية هي الوحيدة التي تمنع في هذا الإطار. 

ويشرح أنّ في إسبانيا مع الكتلون وفي فرنسا مع بعض مناطق البروتون وفي فلندا كان يوجد حوالي 30 لغة وكلها متسامح بها، ولدينا في الإمارات تعتبر اللغة العربية دستوريا هي اللغة الرسمية ولكن على اعتباها دولة منفتحة على العالم فيوجد بها 196 جنسية وبالتالي يتحدثون لغات متعددة، ففي القضاء يوجد دائما من يترجم لغات أخرى وتكتب الإعلانات بعدد من اللغات، خصوصا في وقت جائحة كانت تذكر الكثير من اللغات كالإنكليزية والفرنسية والهندية والأوردو، وهذا حتى في المشافي وظفت الدولة الكثير من المترجمين لعدة لغات، وبالتالي هناك حاجة مجتمعية لتمكين هذه اللغات بطريقة أو أخرى ضمن نطاق مقبول قادرة أن تتحمله اقتصاديا.

ويوضّح “ما أريد أن أقوله انّ العالم يذهب نحو الانفتاح في هذا الإطار وليس نحو الانغلاق، إضافة أن الوضع في سوريا هو جزء من العقد الاجتماعي للدولة، وإذا أردنا أن نعترف بمكونات المجتمع ونبني للمستقبل فمن الضروري أن تعترف بالثقافات الموجودة لديك” مضيفاً، عندما تقول لشخص أنّك تعترف بأنه كردي أو آشوري ولا تعترف له باستخدام لغته ولا ثقافته فهذا يعني أنك تريد أن تلغي الآخر، ولا تبدي عقد اجتماعي، فتعدد اللغة يعتبر أساس في العقد الاجتماعي والسياق العالمي يؤدي إلى هذا التطور، وحاليا حتى في الدول التي هاجر إليها بعض السوريين أصبحوا يعترفون باللغة العربية، وحتى من يريد الحصول على شهادة قيادة أصبح يجري الامتحان باللغة العربية.

ويختم بأنّ تنوع اللغات في الدستور يساعد على تخفيف التوتر، وهذا حق أساسي لا بد من الاعتراف به وليس عطاء وهذا ما قانت به معظم الدول التي يوجد فيها تنوع ثقافي أو تنوع إثني، وعلى سبيل المثال وضعت المغرب نص متقدم في دستور 2011 لذلك أنا أقول إنّ هذا سياق طبيعي يستفاد منه في الحالة السورية.

اترك تعليقاً