تركيا - غازي عنتاب

“ملف زيتون”.. الواقع الاقتصادي في الشمال السوري بين الركود ومحاولات النهوض.. التحديات والحلول

وكالة زيتون – خاص
يوماً بعد يوم، تتزايد التحديات والصعوبات التي تواجه منطقة شمال غربي سوريا، وأكثر من 6 مليون نسمة يقطنوها، فمع الهدوء النسبي على الجبهات، وتراجع وتيرة القصف والمعارك، ينصب تركيز الأهالي على الواقع الاقتصادي، وسبل مواجهة الأزمة المعيشية التي تعصف بهم.

ارتفاع أسعار المواد الغذائية والأساسية، وانتشار البطالة وقلة فرص العمل، وانخفاض أجور من ابتسمت له الدنيا ووجد عملاً، جميعها مشاكل تواجه الأهالي في ريف حلب وإدلب، يضاف إليها العديد من التحديات والصعوبات كارتفاع أجور المنازل، وغياب الرقابة الحكومية على الأسواق، وغيرها الكثير.

فبحسب فريق منسقو استجابة سوريا فإن المنطقة شهدت منذ مطلع شهر نيسان/ إبريل الجاري، ارتفاعاً كبيراً في أسعار المواد الغذائية وغير الغذائية، حيث ارتفعت أسعار الغذاء بنسبة 33.4%، والحبوب 29.2%، والقمح 42.3%، والزيوت النباتية 62%، والسكر 54%، والخضار والفواكه 48%، واللحوم 34%.

يضاف إلى ذلك، تراجع عمليات الاستجابة من قبل المنظمات والهيئات الإنسانية والإغاثية، خاصة وأن ما لا يقل عن نصف سكان المنطقة من النازحين والمهجرين قسرياً من مختلف المحافظات السورية.

حيث بلغت نسبة انخفاض الاستجابة الإنسانية في شهر رمضان الحالي 34% مقارنة بذات الفترة من العام الماضي، وفقاً لفريق منسقو الاستجابة الذي أكد في بيان أصدره قبل أيام أن آلاف العائلات في منطقة شمال غربي سوريا لم تعد قادرة على تأمين وجبة طعام واحدة يومياً.

مهن شاقة بأجور قليلة
في كل صباح يخرج حسن المحمد وهو نازح من مدينة حمص إلى مقلع حجر قرب مدينة جرابلس شرق حلب، للعمل في تقطيع الصخور البازلتية الصلبة وتحويلها إلى قطع صالحة للاستخدام في البناء.

مهنة أقل ما يقال عنها إنها أعمال الشاقة، هكذا وصف المحمد عمله خلال حديثه لوكالة زيتون الإعلامية، حيث قال إنه يعمل قرابة عشر ساعات يومياً، مقابل أجر لا يتجاوز الأربعين ليرة تركية.

يقول المحمد: “عملنا عبارة عن تكسير صخور، بواسطة أدوات بدائية ويدوية، يبدأ مع الصباح وينتهي عند مغيب الشمس، وهو متقطع ليس دائم، ففي بعض الأحيان نتعرض لإصابات تضطرنا للبقاء في الفراش عدة أيام”.

“كل هذا، مقابل 40 ليرة يومياً، لا تكفي لشراء وجبة عشاء”، يضيف المحمد وهو أب لثلاثة أطفال: “مضطرون لامتهان الأعمال الشاقة لقلة فرص العمل، وارتفاع تكاليف المعيشة في بلاد النزوح”، مشيراً إلى أنه طالب صاحب العمل عدة مرات برفع أجره اليومي إلا أنه في كل مرة يرفض ذلك ويهدده بالاستغناء عنه واستبداله بشخص آخر.

الليرة التركية وضريبة تذبذب صرفها
لجأ السكان في منطقة شمال غربي سوريا منتصف عام 2020 إلى استبدال الليرة السورية بالليرة التركية، بسبب التقلبات الكبيرة في سعر صرف الأولى وانهيارها غير المسبوق أمام الدولار، وأملاً منهم في إيجاد حل يحفظ مدخراتهم من خلال العملة التركية.

وفي أواخر العام الماضي شهدت الليرة التركية هي الأخرى انهيارات سريعة وغير مسبوقة في سعر صرفها، حيث وصلت في شهر كانون الأول/ ديسمبر الماضي إلى حاجز الـ18 ليرة لكل دولار واحد، قبل أن ترتفع بشكل نسبي وتستقر عند دائرة الـ15.

وبالرغم من تحسن قيمة الليرة التركية، إلا أن ارتدادات هذا التذبذب كانت واضحة في مناطق الشمال السوري، إذ ارتفعت الأسعار بشكل جنوني، وانخفضت القيمة الشرائية للرواتب، وبدأت بوادر أزمة إنسانية كبيرة بالظهور في المنطقة، لاسيما وأن الأسعار لم تعاود الهبوط مع التعافي النسبي لليرة التركية.

ويرى مركز “الحوار السوري” أن هذه المشكلة تظهر مدى هشاشة الاقتصاد في المنطقة، وتجعل من الضروري دراسة ما حدث وأخذ الدروس والعبر بهدف تطوير حلول من شأنها تخفيف المعاناة الإنسانية والآثار الاقتصادية إن عادت حالة عدم الاستقرار في قيمة الليرة التركية مجدداً، وإعادة النظر في الواقع الاقتصادي لهذه المناطق وتطويره بوصفه أحد وسائل دعم الاستقرار والتعافي المبكر.

محاولات حكومية للنهوض
مع سيطرة الجيش الوطني السوري على ريفي حلب الشمالي والشرقي قبل عدة أعوام، بدأت الحكومة السورية المؤقتة بدعم تركي على إدارة الحياة الاقتصادية والخدمية في المنطقة، تضمنت إقامة مناطق صناعية بهدف النهوض في اقتصاد المنطقة.
وتضم منطقة ريف حلب خمس مناطق صناعية، موزعة على مدن أعزاز والراعي وجرابلس والباب والراعي، تضم جميعها عشرات المنشآت والمعامل، وتؤمن فرص عمل لمئات العمال المقيمين في المنطقة.

ويرى وزير الاقتصاد في الحكومة السورية المؤقتة، عبد الحكيم المصري أن المنطقة تضم مجموعة من الميزات للاستثمار فيها، كتوفر الأسواق بشكل واسع بالإضافة إلى اليد العاملة بأجور منخفضة مقارنة بالدول الأخرى.

وأضاف المصري في تصريح خاص لوكالة زيتون الإعلامية أن جميع تلك العوامل تشجع على الاستثمار إلا أن المستثمرين لم يقتنعوا بذلك حتى الآن لعدم وجود البيئة الاستثمارية الآمنة التي يشندوها.

وأشار إلى أن المناطق الصناعية في ريف حلب تشجع على الاستثمار ولو بمشاريع صغيرة تكفي السوق المحلية وتشغل مجموعة من اليد العاملة، مؤكداً أن الحكومة المؤقتة مستعدة لتقديم المساعدة والحماية للمستثمرين الراغبين في العمل في ريف حلب.

خطوات غير كافية
يرى الدكتور في الاقتصاد هاشم السيد، أن إقامة المناطق الصناعية في المناطق المحررة خطوة جيدة ومشجعة على خلق بيئة استثمارية في الشمال السوري تكون قبلة للمستثمرين السوريين الذين وضعوا أموالهم في تركيا ومصر وغيرها من الدول
وأشار السيد في تصريح خاص لوكالة زيتون الإعلامية إلى أن السوريين أسسوا في مصر خلال عام واحد 818 شركة، ويملكون 443 شركة في ولاية غازي عنتاب التركية وحدها.

وأوضح محدثنا أن المناطق الصناعية وحدها لا تكفي، كون ريف حلب منطقة زراعية في أساسها، وذات تربة خصبة تمكنها من تحقيق الأمن الغذائي في الشمال السوري.

كما أشار إلى أن الظروف الأمنية الحالية قد لا تشجع المستثمرين على المغامرة ووضع أموالهم في المنطقة رغم جهود الحكومة المؤقتة في طريق ذلك، فضلاً عن الضبابية التي تلف مصير المنطقة في ظل غياب الحل السياسي.

كذلك تطرق محدثنا إلى وجود معوقات تحول دون نجاح المناطق الصناعية بالشكل المطلوب، كغياب سوق تصريف المنتجات وعدم وجود تصدير لها، باستثناء سماح الحكومة التركية باستيراد الأحذية المنتجة في المنطقة الصناعية في الراعي.

وأضاف أن البيئة الاستثمارية في الشمال السوري ليست “بيئة صحيحة” بالشكل الحالي لأسباب عدة أهمها غياب مصادر التمويل، من مؤسسات أو مصارف أو جهات داعمة، وغياب الأرقام والإحصاءات، الأمر الذي يعيق عملية جذب الاستثمارات الكبيرة، ويؤدي للاقتصار على الاستثمارات الصغيرة والمتوسطة.

الحلول المقترحة

اقترح مركز “عمران للدراسات” في دراسة نشرها قبل أشهر أن تتوجه المجالس المحلية والمنظمات لبناء مجمعات سكنية ونقل النازحين إليها بشكل منظم ووفق خطة ممنهجة، يتم التخلص من المخيمات بعد فترة محددة.

ويعتقد المركز أن ذلك سيسهم في إعادة توزيع رأس المال المتوفر نحو قطاعات اقتصادية مثل الصناعة والتمويل والزراعة والثروة الحيوانية والاتصالات والإسكان والتعمير، وتخليص النازح من عبء حياة المخيمات البالية، وسوء ظروفها المعيشة.

كما أكد المركز على ضرورة أن تبدأ المجالس المحلية بعملية تنظيم للبيئة التمويلية والصناعية عبر مَأسسة متكاملة للأوراق والقوانين والهيئات الناظمة لعمل هذه القطاعات، بالشكل الذي يقدم المنطقة بيئة جاذبة للاستثمار تحتوي على كل المرغّبات التي يبحث عنها رأس المال، وصاحب المصنع، والمعمل، والورشة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقا